
محمود أوشيك
في قلب شرق السودان، تمتد ديار نظارة عموم قبائل الأمرار، إحدى أكبر قبائل البجا، بمركزها الإداري في أرياب، تحت قيادة الناظر علي محمود. وتشكل النظارة مرجعية اجتماعية وإدارية لمناطق واسعة تشمل محلية بورتسودان وسواحلها، ومحلية القنب الأوليب، وجبيت المعادن، إضافة إلى مواقع استراتيجية تضم ميناء بشائر (1) وميناء بشائر (2). إنها جغرافيا تختزن ثروة هائلة، لكنها في الوقت ذاته تختزن سؤالًا مريرًا: لماذا يعيش إنسان الشرق على هامش هذه الثروة؟
محلية القنب الأوليب وحدها تُعد من أغنى مناطق السودان بالموارد الطبيعية؛ إذ تحتوي على احتياطيات من الذهب والحديد واليورانيوم، فضلًا عن الحجر الأسمنتي وحجر الجير. وتشير التقديرات إلى أن مساحتها تعادل مساحة ولاية الجزيرة تقريبًا، ما يمنحها ثقلًا جغرافيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية. ومع ذلك، فإن واقع الخدمات والتنمية في هذه المناطق لا يعكس حجم ما ترفده من ثروات إلى الاقتصاد الوطني.
المفارقة الأشد إيلامًا تتجلى في حركة الموارد ذاتها: فالحجر الأسمنتي يُنقل من القنب الأوليب إلى مصنع الأسمنت في عطبرة، فيما تُشحن البضائع عبر ميناء بورتسودان وسواكن، ثم تُستكمل إجراءات التخليص في مدن أخرى مثل الخرطوم وعطبرة. سلسلة طويلة من العوائد والقيمة المضافة تغادر الإقليم، بينما تبقى مجتمعاته المحلية في مواجهة الفقر، وضعف الخدمات الصحية، وندرة فرص العمل، وغياب البنية التحتية الأساسية.
هذه المعادلة غير المتوازنة بين مركزٍ يستفيد وهامشٍ يمدّ بالموارد، تعيد إلى الواجهة إشكالية توزيع الثروة والسلطة في السودان. فالمواقع الاستراتيجية، والموانئ، وطرق التجارة، ومناطق التعدين، جميعها تقع ضمن نطاق نظارة الأمرار، غير أن العائد التنموي المباشر على السكان يظل محدودًا للغاية. هنا يتجسد التناقض بين الغنى الطبيعي والحرمان الإنساني.
إن معالجة هذا الاختلال لا تكون بالشعارات، بل بإعادة النظر في سياسات إدارة الموارد، وتخصيص نسب عادلة من العائدات للتنمية المحلية، وإقامة صناعات تحويلية داخل الإقليم، وتبسيط إجراءات التخليص والخدمات اللوجستية بما يعزز الاقتصاد المحلي. كما يتطلب الأمر تمكين الإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية من المشاركة الفاعلة في اتخاذ القرار المتعلق بأراضيهم ومواردهم.
يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن لإقليم يحتضن الذهب والحديد والموانئ أن يعاني أبناؤه من الفقر والجوع والمرض؟ الإجابة تبدأ بالاعتراف بأن العدالة في توزيع الموارد ليست مطلبًا جهويًا، بل شرطًا لبناء دولة متوازنة ومستقرة. شرق السودان لا يطلب امتيازًا، بل نصيبًا عادلًا من ثروته، وحقًا أصيلًا في تنمية تليق بكرامة إنسانه.




