رأي

لابد من صنعاء، وإن طال السفر 

بدون زعل عبد الحفيظ  مريوووود بعد شهر من الحرب..

 

بدون زعل عبد الحفيظ  مريوووود بعد شهر من الحرب..

أما وقد انسلخ الشهر الأول بتوقيت الحرب، مع وافر المحبة للإعلامية الرصينة، لمياء متوكل، “بتوقيت القلب”، فإننى أرى أنه – من باب الرصانة – يتعين علينا أن نتعامل مع بعض الحقائق القادمة. لا سيما وأنه قد “اقتربت ساعة الحسم”، و “ما النصر إلا صبر ساعة”.

شايف كيف؟

أولى هذه الحقائق هى أن كل ما تعرفه عن السودان فى الماضى، إتركه خلفك..تتشكل معرفة جديدة يجب أن تتعايش معها. ينهض “سودان آخر”، على ركام الذى تعرفه.

كيف ذلك؟

لن يحسم الجيش تمرد الدعم السريع، عسكريا، قط..ذلك أنه – منذ بروز أول تمرد عام ١٩٥٥م، قبل الاستقلال – لم يحسم أى تمرد، عسكريا، وحتى تمرد حركات دارفور، كآخر واحد فى سلسلة “التمردات”، الذى نشأ عام ٢٠٠٣م. وإذا كان قد فشل فى ذلك، وهو فى عنفوانه، والتمردات وليدة، ثم تحبو وتمشى وتقفز، فهو الآن أجدر بالفشل فى (الحسم العسكرى)، من أى وقت مضى، وقد بلغ من الكبر عتيا..

يتسامع الناس ويتبادلون معلومات، يشاهدون فى الطرقات وعلى الإعلام الحديث، أنه – بعد مرور شهر – لم يستطع أن يوجه ضربة موجعة للدعم السريع. لم “يحرر” الجزء المحتل من قيادته العامة، القصر الجمهورى، مبانى الإذاعة والتلفزيون، ولا حتى ضباطه الرفيعين من قبضة الدعم السريع. بل العكس، يخسر – أسبوعيا – مواقع جديدة أمام خصمه.

الذى يتابع تسجيلات وكتابات كبار الضباط المعاشيين، يعرف مقدار الحسرات التى تملؤهم من واقع القوات المسلحة: تخطيطها، إحترافيتها، وطرق إدارتها للمعركة. لم يتصور أولئك الضباط أنهم سيعيشون أسوأ أوقات “الحارس مالنا ودمنا”..

شايف؟؟؟؟

حين وجه جعفر نميرى بطشته الكبرى بالأنصار فى الجزيرة أبا، ود نوباوى وغيرها، عام ١٩٧٠م،

لم يكن يحمى السودان. ولم يكن الجيش يدافع عن تراب الوطن. كانا، كلاهما، يحاربان من أجل “سلطة سياسية”، وقد استعان نميرى و ” مؤسسته العسكرية” بالطيران المصرى، لضرب الأنصار، فى وقاحة نادرة.

ثم تابع ما تلى ذلك:-

إنقلاب هاشم العطا ١٩٧١م، ثم تطهير الإنقلاب. حركة “المرتزقة” ١٩٧٦م. المواجهة الطويلة مع الجيش الشعبى لتحرير السودان، إنطلاقا من ١٩٨٣م، وما بعدها…فى تلك التواريخ لم يكن الجيش “جيش السودان”، ولم يكن قتاله “خيانة”، و “عمالة” بالنسبة للوطنيين الحاليين، كما لاحظ فائز السليك. فقد كان الإمام الهادى، محمد صالح عمر، عبد الإله خوجلى (شهداء)، فقط، لأنهم قاتلوا “جيش نميرى الشيوعى، ثم المتخلى عن الشيوعيين”..يستوى فى ذلك : حزب الأمة، الإتحاديون، والإسلاميون (الجبهة الوطنية)..كما يصبح الجيش رمزا وواجهة للرجعية وذيلا للإمبريالية، بالنسبة للشيوعيين ابتداء من فشل انقلابهم ١٩٧١م، وبالنسبة للبعثيين، على الأرجح..ويصبح (إسلاميا، عنصريا، عروبيا )، بالنسبة للتمرد الجنوبى ابتداء من ١٩٥٥م، وحتى الانفصال فى ٢٠١١م…

ف : جيش من هو، أذن؟

هل العلة فى الجيش، من حيث تكوينه وعقيدته، أم فى السياسيين، جميعا، أم فى الاثنين، معا، وفى الشعب عامة؟

هل الجيش، كان وما يزال : متنازعا ولاؤه، مضطربا تقديره، سلسا قياده لكل “فهلوى”؟ أم أننا من تكمن العلة فينا، سياسيين وشعبا؟

شايف؟

ذات مرة، قبل أكثر من عام، وخلال مكالمة هاتفية، قال لى البروفسير على شمو، مستشكلا ” يا مريود يا ابنى ..لو صبر عبد الله خليل دا، على الأربعة سنوات دى، حتى ولو سحبوا الثقة من حكومتو، مش كان قدم فايدة كبيرة للسودان دا؟”.

تلك هى لحظة عبد الله خليل..لحظة الجيش…ولحظة السودانيين، وقد ولت. فهل ثمة لحظة مماثلة تنبثق من رماد الحرب الدائرة الآن؟

حسنا…

هى لحظة عبد الله خليل لأنه كان سيعمل على ترسيخ الممارسة الديمقراطية. بالصبر عليها، حتى ولو أطاحت بحكومته عبر البرلمان. كان سيعلم السياسيين أن ذلك هو السبيل الوحيد لتداول السلطة…ولحظة الجيش لأنه – فى حال رفض إبراهيم عبود، القائد العام، أوامر رئيس الوزراء، منفردا، باستلام السلطة، لرسخ مبدأ للجيش بالبقاء حاميا لسلطة الشعب، وغير قابل للتورط فى “خلافات السياسيين”، و لرسخ مبدأ أصم للمؤسسة، لا يقبل الجدال…ولحظة السودانيين لأنهم كانوا سيتعلمون – باكرا – القدرة على صيانة (جهاز الدولة)، الذى هم ملكهم، فى نهاية المطاف.

لكن “لو” تفتح عمل الشيطان…

أو – كما قال الجنرال عوض أحمد خليفة – ( لو كان التمنى بينفع كل حبيب)..ولما كنت ههنا، أرعى خيال “البقسية”، حياها الغمام، ويمكن لصديقى موسى أحمد مروح أن يسعفكم بإيراد مربع شاعر الكبابيش، وهو يتحسر على “البقسية”..

شايف كيف؟

تختزن اللحظة الراهنة تأريخنا الحديث كله. منذ رحيل الاستعمار. أمامنا فرصتان: أن نتعامل معها مثل “ساعاتى” دقيق الصنعة، كعمنا مصطفى الصديق، يرحمه الله، أحد أعلام بابنوسة، أو إبنه صديقى عمر، فنعمد إلى إصلاحها، ضبط عقاربها، لننطلق…أو نسدر فى الغى، نصطرع على التصورات المختلة التى نرزح تحتها، جميعا..تصوراتنا لأنفسنا، للعالم، للسياسة، للعدالة…الخ.

يكشف التعاطى اليومى مع الفاجعة، النازلة، الحندس أننا طفوليون مثيرون للشفقة..لا نكاد نتبين وهدتنا: (من بل من؟ من سلخ جلد من؟ من جرى أمام من؟ من بال على رأس من)..

لكن الحقائق تتغير..مسرح السياسة والمجتمع يتغير…الاقتصاد يتغير…علاقات السودان تتغير…الأحزاب والقوى السياسية…لن يعود شيئ إلى سابق عهده..لن يهزم أحد أحدا هزيمة ماحقة..ولن ينفرد أحد بالكرة أمام المرمى، لننهض عن مدرجاتنا، نهتف – وقلوبنا تخفق – للركلة الحاسمة…ذاك محض وهم لا يليق بالعاقل أن يتمسك به..

شايف كيف؟

سيكون على الجميع الإنسياق وراء تأسيس عقد اجتماعى جديد، طوعا أو كرها، فذلك منطق التأريخ. على الجميع أن ينحنوا للعاصفة. ولى زمان العنتريات. لم يحسم الجيش تمردا، قط، عسكريا. ولم يحسم تمرد، قط، الجيش، عسكريا…لم تنته حركة سياسية، أو حزب لأن الآخرين، فى فترة ما لم يرضوا وجوده، حتى لو تم إعدام قادته، كما جرى للشيوعى، أو لمحمود محمد طه…أو جرى لحركات “تمرد” ، جون قرنق، خليل إبراهيم…لم تفن قبيلة قبيلة أخرى…لم تمحق ثقافة أخواتها الأخريات…

لنخرج من درك الأوهام إلى علو الحقائق:

راعى الإبل، الجاهل الأمى، الفريق أول “خلا”، لن يجلب لنا الديمقراطية…بمثلما لم يوطنها لنا أو يصبر عليها خريج كلية غردون، الحائز على الشهادات العليا من لندن وباريس، المتخصص فى (القانون الدستورى)، وحركته الرائدة، القاصدة إلى الله، العاجة بحملة الشهادات…بل أدخلتنا فى “كلمة خشنة، ليلها كنهارها “، أراقت دماء المسلمين وانتهكت أعراضهم وشردتهم..كما لم يجلبها لنا الضباط، خريجو (مصنع الرجال وعرين الأبطال)…

شباب الثورة: ملوك الاشتباك وغاضبون ولجان المقاومة، أولاد المدينة المتعلمون يترسون الشوارع، يقتلعون الانترلوك، يكسرون أعمدة الإنارة وإشارات المرور…يرجعون الشرطة ويتقاذفون معها بالحجارة وعبوات الغاز المسيل للدموع…بمثلما يقوم شباب الدعم السريع بجميع (الإنتهاكات والفظائع) – يايى فظيعين ديل ياخ – وكله اختلاف مقدار، فقط…

فشنووووو

أقعدوا للحرب بجدية، ولا تعبثوا معها، كما فعلتم بالسلم…خوضوها بوقار وحكمة…غيروا نظرتكم لأنفسكم وللآخرين، لعل الله أن يحدث بعد ذلك أمرا…

ملحوظة:

الصورة تقول : نحييك ما بتحيينا – بالبلابل، مع التركيز على هادية طلسم، بالله.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!