
الطيب مادري حسن – المحامي
في أزمنة الاستقرار، تمارس العدالة دورها بوصفها وظيفة مؤسسية هادئة، تتحرك داخل قاعات المحاكم وفق نصوص القانون وضمانات الإجراءات. غير أن الصورة تتبدل جذريًا حين تدخل الدولة طور الانقسام السياسي والنزاع المسلح؛ فحينها لا يعود القضاء مجرد سلطة من سلطات الدولة، بل يصبح معيارًا لوجودها ذاته. وهذا هو الامتحان العسير الذي يواجهه القضاء السوداني في ظل واقع سياسي مأزوم وأزمة إنسانية غير مسبوقة.
منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، دخل السودان مرحلة معقدة من الانقسام المؤسسي وتعطل الخدمات العامة، رافقها تصاعد مقلق في انتهاكات حقوق الإنسان. تقارير متعددة أشارت إلى وقائع قتل خارج نطاق القانون، واعتقالات تعسفية، وتهجير قسري، وانتهاكات جسيمة طالت المدنيين في مناطق شتى من البلاد. في هذا السياق المضطرب، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع القضاء أن ينهض بدوره الطبيعي في حماية الحقوق وصون الحريات الأساسية؟
من حيث المبدأ، يُعد القضاء الحارس الأمين لمبدأ سيادة حكم القانون، ومصدر مشروعيته في ذلك يستند إلى الدستور والمواثيق الدولية التي التزم بها السودان، خاصة في إطار منظومة الأمم المتحدة. غير أن الممارسة العملية تكشف عن تحديات عميقة؛ فتعطل بعض المحاكم، وصعوبة الوصول إلى العدالة في مناطق النزاع، وضعف البيئة المؤسسية الضامنة لاستقلال القضاء، كلها عوامل تُقيد فاعلية المؤسسة القضائية وتحد من قدرتها على أداء رسالتها كاملة.
إن استقلال القضاء ليس شعارًا نظريًا، بل شرطًا موضوعيًا لمساءلة منتهكي الحقوق، بصرف النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم. وفي ظل الاستقطاب الحاد والانقسام العسكري، يتعرض هذا الاستقلال لضغوط مباشرة وغير مباشرة، قد تنعكس على ثقة المواطنين في منظومة العدالة، وتغذي الشعور العام بالإفلات من العقاب. وحين تضعف الثقة في القضاء، تتآكل فكرة الدولة نفسها، لأن العدالة تمثل العقد المعنوي الذي يربط المواطن بمؤسساته.
ومع ذلك، فإن القضاء يظل أحد آخر الأعمدة القادرة على ترميم ما تصدع من بنيان الدولة. فإصدار أحكام عادلة، وضمان محاكمات منصفة، وصون حق التقاضي، كلها رسائل عملية تؤكد أن القانون ما يزال قائمًا، وأن موازين القوة والسلاح لا يجوز أن تحل محل الشرعية القانونية. إن وجود قضاء فاعل—even في أدنى حدوده—يشكل حاجزًا أمام الانزلاق الكامل إلى منطق الغلبة.
الأزمة الإنسانية التي يعيشها السودان اليوم، بما تنطوي عليه من نزوح داخلي واسع، ولجوء خارجي، وتدهور في الخدمات الأساسية، تجعل من حماية الحقوق مسألة وجودية لا مجرد التزام قانوني. فعندما تغيب العدالة، تتحول الانتهاكات إلى ممارسة اعتيادية، ويغدو العنف الوسيلة الوحيدة لتسوية النزاعات، بما يهدد النسيج الاجتماعي على المدى البعيد.
إن استعادة الدور الكامل للقضاء لا تقتصر على إعادة تشغيل المحاكم أو استئناف الجلسات، بل تستلزم إرادة سياسية صادقة لاحترام استقلاله، وتوفير ضمانات أمنية ومهنية للقضاة وأعضاء النيابة، وضمان تنفيذ الأحكام دون تدخل أو انتقاص. كما تتطلب دعمًا مؤسسيًا يعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة، ويؤكد أن الدولة ما تزال قادرة على حماية حقوق أبنائها.
في زمن الانقسام، لا تكون العدالة ترفًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحّة لإنقاذ ما تبقى من فكرة الدولة. والقضاء السوداني، رغم العواصف التي تحيط به، يقف أمام مفترق تاريخي: إما أن يظل شاهدًا صامتًا على مسار الانهيار، أو أن يكون فاعلًا رئيسًا في إعادة تأسيس دولة تحكمها سيادة القانون، وتصان فيها كرامة الإنسان باعتبارها القيمة العليا التي لا يجوز التفريط فيها.




