
مؤيد الأمين
منذ اللحظة التي غادر فيها المستعمر البريطاني أرض السودان في منتصف القرن الماضي، كان المشهد يبدو وكأنه نهاية عهدٍ طويل من التبعية، وبداية استقلالٍ وطني حقيقي. لكن الحقيقة التي لم تُقل صراحةً، أن المستعمر لم يخرج كلياً، بل ترك وراءه خيوطاً معقّدة من النفوذ والسيطرة غير المباشرة، كان أبرزها منح مصر دور “الوصي” على السودان، لا حباً في الجار الجنوبي، بل كغطاء استخباراتي يخدم مصالح القوى الغربية، وعلى رأسها المشروع الصهيوني في المنطقة.
وصاية لا لخدمة مصر بل لمصلحة إسرائيل
لم تكن الوصاية المصرية على السودان بعد الاستقلال مجاملة سياسية، بل كانت خطة محكمة صاغتها المخابرات البريطانية منذ ما قبل الجلاء. فمصر، بموقعها الجغرافي، وبنظامها السياسي الذي تعاقب عليه ضباط يوليو ثم الأنظمة العسكرية المتتالية، كانت الأنسب لتكون أداة تنفيذ، وليست شريكاً سيادياً.
الهدف كان واضحاً: ضمان بقاء السودان ضعيفاً، منقسماً، غير قادر على الاستقرار أو بناء مشروع وطني مستقل، لأن السودان المستقر يعني تهديداً استراتيجياً لمصالح القوى الغربية، ونافذة واسعة نحو العمق الإفريقي والثروات الهائلة التي يمكن أن تُفلت من يد الهيمنة الاستعمارية الجديدة.
فمنذ الخمسينات، بدأت مصر تُكرّس وجودها في الشأن السوداني من خلال أجهزة الاستخبارات والملفات المشتركة، خاصة ملف النيل، والتعليم، والإعلام. كانت الخرطوم تتحرك في كثير من الأحيان بإشارات تصدر من القاهرة، لا من داخل مؤسساتها الوطنية.
*السيطرة عبر الماء والتعليم والإعلام*
من أبرز أدوات السيطرة المصرية على السودان ملف مياه النيل. فقد ظلّت القاهرة تعتبر النيل “ملفاً أمنياً مصرياً خالصاً”، وليس مورداً مشتركاً، وفرضت على السودان، منذ اتفاقية 1959، نصيباً محدوداً من المياه، رغم أن منابع النيل تمر عبر أراضيه الواسعة. هذه الاتفاقية وُقّعت في ظل ضغوط سياسية واستخباراتية ضخمة، جعلت من السودان شريكاً ضعيفاً في واحدة من أهم قضايا وجوده.
أما في ملف التعليم والإعلام، فقد تم غرس البعثات المصرية في الجامعات والمدارس السودانية لعقود طويلة، كان هدفها المعلن دعم التعليم، لكن الهدف الخفي كان تشكيل العقول وفقاً للنموذج المصري الموالي لأنظمة الحكم العسكرية، وتغذية الولاء العاطفي لمصر باعتبارها “الأخت الكبرى”.
وفي الإعلام، استخدمت القاهرة نفوذها في الصحف والإذاعات والبرامج الثقافية لبناء صورة ذهنية مضللة عن علاقة البلدين، حيث رُسّخت فكرة أن “مصلحة السودان من مصلحة مصر”، دون أن يُسمح للسودانيين بتفكيك المعادلة أو مساءلة تبعيتها.
الاقتصاد.. أداة الخنق والسيطرة
منذ السبعينات، ومع ضعف الحكومات السودانية المتعاقبة، بدأت مصر تتسلل إلى العمق الاقتصادي السوداني، سواء عبر التبادل التجاري غير المتوازن، أو من خلال الاستثمارات التي تتحكم بها شبكات استخباراتية وشخصيات محسوبة على النظام المصري.
كان الهدف الحقيقي هو إبقاء السودان تابعاً اقتصادياً، غير قادر على تطوير صناعة مستقلة أو زراعة حقيقية تنافس في المنطقة. وحتى حينما حاول السودان استثمار موارده الزراعية الهائلة، واجه ضغوطاً وعراقيل من القاهرة، التي رأت في أي نهضة سودانية تهديداً مباشراً لأمنها القومي، كما تزعم.
تغذية الجهل والانقسام لصالح المشروع الصهيوني
من أخطر ما قامت به مصر — بتوجيه غير مباشر من القوى الغربية والصهيونية — هو تغذية الجهل والانقسام في المجتمع السوداني.
فعوضاً عن دعم التعليم والإصلاح، كانت المشاريع الثقافية القادمة من الشمال تصب في اتجاه تغييب الوعي السياسي السوداني، وإبقاء المجتمع في حالة انقسام قبلي وجهوي.
تم تشجيع النخب المرتبطة بالقاهرة على احتكار القرار السياسي والإعلامي، بينما حُوربت الأصوات الوطنية المستقلة التي نادت بعلاقات ندّية قائمة على المصالح المشتركة لا التبعية.
هذا التآكل التدريجي للوعي الوطني السوداني فتح الباب أمام المرحلة الأخطر: مرحلة تمكين جماعة الإخوان المسلمين كأداة مصرية – استخباراتية داخل السودان.
الإخوان المسلمون.. الذراع المصرية في السودان
حين دخلت جماعة الإخوان المسلمين إلى السودان في منتصف القرن العشرين، لم تكن مجرد حركة دينية دعوية، بل كانت مشروعاً سياسياً عابراً للحدود، نال دعماً مباشراً من النظام المصري وجهاز المخابرات.
وجد الإخوان في السودان أرضاً خصبة بسبب طبيعة المجتمع المتديّن والعاطفي، وبسبب ضعف مؤسسات الدولة الحديثة. ومنذ ذلك الحين، أصبح وجودهم في السودان امتداداً طبيعياً للتأثير المصري، بل الأداة التي حافظت بها القاهرة على عمقها الجنوبي.
وفي عهد الرئيس جعفر نميري، ثم لاحقاً مع انقلاب البشير عام 1989، ازدهر المشروع الإخواني السوداني بدعم مصري كامل. فقد وفرت القاهرة المأوى والتمويل والتخطيط السياسي، بينما تولى الإخوان في الخرطوم تنفيذ الخطة: السيطرة على الدولة من الداخل، وتفكيك مؤسساتها الوطنية لصالح تنظيم عابر للحدود لا يعترف بالسيادة الوطنية.
من التبعية السياسية إلى التدمير الشامل
خلال حكم البشير، أصبح السودان فعلياً مستعمرة فكرية وتنظيمية للإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي لطالما استخدمتها مصر كأداة نفوذ داخل العالم العربي والإفريقي.
ورغم العداء الظاهري بين النظامين أحياناً، إلا أن التنسيق الاستخباراتي لم ينقطع يوماً، لأن الهدف الأكبر كان واحداً: إبقاء السودان ضعيفاً، ممزقاً، بعيداً عن التحول الديمقراطي الحقيقي.
وعندما اندلعت ثورة ديسمبر المجيدة عام 2018، كانت القاهرة من أوائل العواصم التي شعرت بالقلق، لأن نجاح الثورة السودانية يعني سقوط نموذج “الوصاية”، وانتهاء زمن التحكم في القرار السوداني.
ومنذ سقوط البشير، عملت مصر بكل قوتها السياسية والإعلامية لإعادة ترتيب المشهد السوداني بما يضمن بقاء نفوذها، سواء عبر دعم بعض المكونات العسكرية، أو عبر شبكات رجال الأعمال والإعلاميين المرتبطين بها.
السودان بين مطرقة الكيزان وسندان الوصاية المصرية
اليوم، وبعد أكثر من سبعين عاماً على خروج المستعمر البريطاني، لا يزال السودان يعيش في دائرة النفوذ المصري، وإن كانت بأشكال جديدة.
الكيزان – أي الإخوان المسلمون في السودان – أصبحوا الذراع الأخطر في تنفيذ هذه الهيمنة. فهم من داخل السودان يعملون على تفكيك المجتمع، وتقسيم القوى الثورية، وتعطيل أي محاولة لإقامة دولة مدنية ديمقراطية، بينما تقدم القاهرة الدعم السياسي والإعلامي لهم كلما احتاجت إلى أداة ضغط على الخرطوم.
لقد صار واضحاً أن الصراع في السودان لم يعد مجرد تنافس داخلي على السلطة، بل هو صراع بين مشروع وطني يسعى للاستقلال الكامل، ومشروع خارجي تقوده مصر لصالح أجندة إقليمية ودولية أكبر.
من المطلوب الآن؟
إن استعادة القرار الوطني السوداني تبدأ بفهم هذه الحقيقة المؤلمة: أن الاستعمار لم يخرج من السودان، بل غيّر وجهه فقط.
فبدلاً من جيوش بريطانيا، جاءت اتفاقيات النيل والتعليم والإعلام والاقتصاد، وبدلاً من الحاكم البريطاني، جاء الوصي المصري وشبكاته من رجال الإخوان وأصحاب المصالح.
يجب على النخبة السودانية اليوم أن تفتح هذا الملف بجرأة، وأن تتعامل مع العلاقات مع مصر على أساس الندية الكاملة، لا “الأخوة الزائفة”.
كما يجب تفكيك البنية الإخوانية التي ظلت لعقود تعمل كـ“عميل مزدوج” يخدم مصر حيناً، ويخدم إسرائيل حيناً آخر، بينما ينهب ثروات السودان ويقمع شعبه.
*خاتمة*
مصر، التي طالما تغنت بأنها “أم الدنيا”، نسيت أن السودان ليس ابناً تابعاً لها، بل شريك في التاريخ والجغرافيا والمصير.
لكن حين تتحول الأخوة إلى وصاية، والوصاية إلى تبعية، فإن على الشعوب أن تقول كلمتها.
لقد حان الوقت ليكسر السودان قيوده، ويستعيد سيادته من يد من ظنوا أن بإمكانهم التحكم في إرادته إلى الأبد.
فالمستعمر الذي خرج من الباب، عاد عبر النوافذ المصرية والإخوانية، ولا سبيل لإنهاء هذه الحلقة إلا بوعي وطني جديد، يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبارات العاطفة أو “الروابط التاريخية” التي استُخدمت لتخدير الوعي الجمعي لعقود طويلة.



