رأي

بودكاست “السودان 360” وامتحان المساءلة: هل يفتح الجيش دفاتره؟

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

في حلقة أثارت جدلًا واسعًا، عرض بودكاست “السودان 360” الذي يقدّمه الصحفي الاستقصائي عبد المنعم سليمان إفادات من داخل المنظومة العسكرية حول طبيعة الاقتصاد المرتبط بالمؤسسة. المتحدث، بحكم موقعه السابق، قدّم رواية مفصلة عن شركات تعمل في قطاعات مدنية متعددة، وإعفاءات جمركية وضريبية واسعة، وترتيبات مالية معقّدة، وتحويلات يُقال إنها جرت خارج النظام المالي الرسمي. هذه الإفاداتبغضّ النظر عن الموقف منها لا يمكن التعامل معها كخبر عابر؛ فهي تمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والمال العام.

المسألة هنا ليست إصدار حكم مسبق، بل تثبيت مبدأ: إذا كانت الاتهامات المطروحة خطيرة بهذا القدر، فإن الردّ الوحيد المسؤول هو فتح تحقيق مستقل وشفاف. الاقتصاد العسكري، مهما كانت مبررات نشأته تحت شعار “الاكتفاء الذاتي” أو “الأمن القومي”، يظل جزءًا من اقتصاد الدولة، وتجب مساءلته وفق القوانين ذاتها التي تُساءل بها أي جهة عامة أو خاصة. الإعفاءات ينبغي أن تكون منصوصًا عليها بقوانين معلنة، وأن تُراجع دوريًا، وأن تُنشر تفاصيلها للرأي العام. والتحويلات الماليةإن جرت يجب أن تكون موثّقة وخاضعة لتدقيق مهني مستقل.

السودان اليوم يعيش حربًا وانهيارًا اقتصاديًا غير مسبوقين. في هذا السياق، يصبح الغموض السياسي والمالي أكثر كلفة من أي وقت مضى. فحين تتراكم الأسئلة بلا إجابات، تتآكل الثقة، ويتحوّل الشك إلى قناعة عامة بأن هناك اقتصادًا يعمل خارج الرقابة. لا يكفي نفي الاتهامات في بيانات مقتضبة؛ المطلوب هو نشر تقارير مراجعة سنوية مفصلة، وتمكين المراجع العام من الوصول الكامل إلى السجلات، وإخضاع الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية لرقابة برلمانية وقضائية فعّالة.

إن حماية المؤسسة العسكرية لا تتحقق بحجب المعلومات، بل بصون سمعتها عبر الشفافية. فالقوة الحقيقية للمؤسسات تُقاس بقدرتها على تحمّل المساءلة، لا بتوسيع مناطق الظل. وإذا ثبتت مخالفات، فإن القضاء وحده يملك سلطة توصيفها قانونيًا ومحاسبة المسؤولين عنها أياً كانت مواقعهم. أما إذا لم تثبت، فإن التحقيق المستقل سيكون أفضل ردّ على كل الشبهات.

ما طرحه “السودان 360” ليس إدانة نهائية، لكنه جرس إنذار. والدولة التي تريد السلام والاستقرار لا تُغلق دفاترها في وجه شعبها. المال العام أمانة، ومن يديره—مدنيًا كان أو عسكريًا—خاضع للمساءلة. في لحظة وطنية حرجة كهذه، الشفافية ليست خيارًا تجميليًا، بل شرطًا لبقاء الدولة واستعادة ثقة مواطنيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!