تقارير وتحقيقات

إمبراطورية الظل: كيف أصبح اقتصاد المؤسسة العسكرية عقدة الحرب في السودان؟؟؟ !!!!!

التنوير : تقرير

 

تقرير صحيفة التنوير

شهادة من الداخل: عندما يتكلم المال

في الدول المستقرة، لا يهزّ تصريح إعلامي بنية الدولة. لكن في السودان، حيث تتقاطع الحرب مع الاقتصاد والسياسة، يمكن لشهادة واحدة أن تفتح صدعًا في جدار الصمت.

الحلقة التي بثها بودكاست “السودان 360” للصحفي الاستقصائي عبد المنعم سليمان لم تكن مجرد مقابلة عابرة. المتحدث، عميد سابق شغل موقعًا ماليًا رفيعًا داخل هيئة أركان الجيش، قدم رواية مفصلة عن منظومة مالية موازية داخل المؤسسة العسكرية، تتداخل فيها الإعفاءات الجمركية، التحويلات الخارجية، الشركات الاحتكارية، وشبكات الولاء السياسي.

حتى الآن، تظل هذه الرواية في إطار الادعاءات التي تحتاج إلى تحقيق رسمي مستقل. لكن خطورتها تكمن في طبيعة ما تطرحه: ليس فسادًا فرديًا، بل بنية اقتصادية كاملة تعمل في مساحة رمادية بين الدولة والتنظيم.

من الاكتفاء الذاتي إلى التوسع المدني: تحوّل الدور الاقتصادي للجيش

منذ أوائل التسعينيات، ومع وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة، توسعت القوات المسلحة السودانية في إنشاء شركات اقتصادية تحت مبرر “الاكتفاء الذاتي العسكري”.

بمرور الوقت، لم يعد النشاط مقتصرًا على الإمداد العسكري أو التصنيع الحربي، بل امتد إلى:

الزراعة والإنتاج الحيواني

التعدين وتجارة الذهب

الطيران والخدمات اللوجستية

التأمين

المصارف

الاستيراد والتصدير

الخدمات الطبية

هذا التوسع، في حد ذاته، ليس استثناءً عالميًا؛ كثير من الجيوش تمتلك شركات. لكن الفارق الجوهري يكمن في درجة الشفافية والرقابة البرلمانية.

في السودان، ظل الاقتصاد العسكري خارج النقاش العام لعقود، وتحت غطاء “الأمن القومي”.

 الإعفاءات الجمركية والضرائب المسقطة: سؤال العدالة الاقتصادية

أحد أخطر المحاور التي طرحتها الشهادة يتعلق بالإعفاءات الجمركية والضريبية الواسعة التي تتمتع بها شركات تتبع للمؤسسة العسكرية.

ان ما ورد حول تسجيل الرسوم كمديونيات على وزارة المالية ثم إسقاطها في الحسابات الختامية، فإن الأمر يتجاوز الإعفاء إلى إعادة توزيع غير معلنة للعبء المالي.

النتيجة المحتملة لذلك:

الدولة تتحمل خسارة الإيرادات

الشركات المرتبطة بالمؤسسة تستفيد من تكلفة أقل

القطاع الخاص يفقد القدرة التنافسية

هنا يتحول السؤال من محاسبي إلى سياسي:

هل كان البرلمان أو الجهات الرقابية على علم كامل بهذه الترتيبات؟

وهل نُشرت تقارير تفصيلية عنها للرأي العام؟

التمكين السياسي داخل الشركات العسكرية: الاقتصاد كأداة نفوذ

تطرقت الشهادة إلى وجود كوادر مرتبطة بالحركة الإسلامية داخل مجالس إدارات الشركات الاقتصادية العسكرية، مع تعيينات قائمة على الولاء لا الكفاءة.

إذا ثبت هذا النمط، فإننا أمام تسييس مباشر للاقتصاد العسكري.

وهنا تتبلور فكرة “الدولة العميقة” في سياقها السوداني:

شبكة مصالح تجمع بين المؤسسة العسكرية، وشركات اقتصادية، ومصارف، وتأمين، وأفراد مرتبطين بتنظيم سياسي.

في هذه الحالة، يصبح الاقتصاد أداة نفوذ سياسي، لا مجرد نشاط تجاري.

المصارف والتأمين: دائرة مغلقة للمال والقرار

الحديث عن احتكار شركة تأمين بعينها لأعمال التأمين الخاصة بالقوات النظامية، وعن منح تمويلات مصرفية عالية المخاطر لجهات ذات صلة سياسية، يفتح ملفًا بالغ الحساسية.

في أي اقتصاد، حين تجتمع القوة العسكرية مع الامتياز المالي، يتشكل اختلال في توازن السوق.

إذا كانت مؤسسات بعينها تتمتع بإعفاءات واحتكارات، فإن المنافسة العادلة تصبح مستحيلة، ويبدأ الاقتصاد المدني في التآكل.

لكن هذه الاتهامات، بطبيعتها، تحتاج إلى مراجعة سجلات مالية علنية لتأكيدها أو نفيها.

التحويلات الخارجية والمناطق الحرة: أين تنتهي السيادة المالية

من أخطر ما ورد في الحلقة الإشارة إلى وجود مكاتب خارجية في مناطق حرة، وتحويلات مالية لا تمر عبر النظام المصرفي الوطني.

في سياق العقوبات الدولية السابقة، ربما لجأت بعض المؤسسات إلى ترتيبات خاصة لتأمين احتياجاتها. لكن الفارق الحاسم هو: هل خضعت تلك العمليات لتدقيق ومراجعة مستقلة؟

إذا كانت التحويلات تجري بعيدًا عن النظام المالي الرسمي، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول:

الشفافية

الامتثال للقوانين الدولية

سلامة الإجراءات المحاسبية

وهذه ليست أسئلة إعلامية فقط، بل قانونية.

الذهب والطيران: المناطق المحصنة من الرقابة

الإشارة إلى استخدام منشآت عسكرية أو شركات طيران كغطاء لنشاطات تجارية مرتبطة بالذهب أو شحنات حساسة تمثل أخطر ما طُرح.

حتى وإن بقيت هذه المزاعم في إطار الاتهام، فإنها تثير سؤالًا استراتيجيًا:

هل توجد مناطق داخل الدولة لا تخضع للرقابة الجمركية والمالية الكاملة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإننا أمام اقتصاد يعمل بنظامين:

نظام خاضع للمحاسبة، وآخر محصّن بالسلطة.

الحرب كحارس للمصالح: لماذا يبدو السلام مكلفًا؟

عند هذه النقطة، يتجاوز التحليل الجانب المالي إلى السياسي.

إذا كان الاقتصاد العسكري متشابكًا بهذا الشكل مع شبكات سياسية ومالية، فإن إنهاء الحرب لا يعني فقط وقف إطلاق النار، بل يعني فتح دفاتر الحسابات.

السلام الحقيقي قد يتطلب:

مراجعة شاملة للشركات

تدقيق الإعفاءات

إعادة هيكلة الملكيات

فصل النشاط العسكري عن التجاري

وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية:

هل يمكن أن توجد مصالح اقتصادية تخشى لحظة السلام لأنها قد تكشف بنية مالية معقدة؟

لا توجد إجابة قطعية، لكن التاريخ يثبت أن الحروب غالبًا ما ترتبط باقتصاديات ظلّ لا تزدهر في أوقات الشفافية.

الدولة العميقة في السودان: تفكيك أم إعادة إنتاج؟

المصطلح قد يكون مثقلًا بالسياسة، لكن في الحالة السودانية يبدو أقرب إلى توصيف هيكلي.

حين تتشابك:

المؤسسة العسكرية

الشركات الاقتصادية

المصارف

شبكات الولاء السياسي

الامتيازات الضريبية

التحويلات الخارجية

فإننا أمام منظومة لا يمكن إصلاحها بقرارات جزئية.

الإصلاح الحقيقي يتطلب:

إخضاع كل الشركات العسكرية لقانون الشركات العام

نشر تقارير مراجعة سنوية

رقابة برلمانية فعلية

فصل النشاط العسكري عن التجاري

تمكين القضاء من الوصول إلى السجلات دون قيود

بدون ذلك، ستظل الدولة تدور في حلقة مغلقة بين الحرب والاقتصاد والسياسة.

 لحظة المساءلة الكبرى

ما كشفه بودكاست “السودان 360” ليس حكمًا نهائيًا، لكنه جرس إنذار.

في الدول التي تريد أن تعيش، لا يُدفن المال العام تحت شعارات الأمن القومي.

ولا تُغلق الدفاتر حين يُفتح باب الحرب.

السودان اليوم أمام مفترق تاريخي:

إما أن يتحول هذا الملف إلى تحقيق وطني مستقل يكشف الحقيقة كاملة

أو يظل الاقتصاد العسكري منطقة ظلّ، تحرسها الحرب ويُغذّيها الصمت.

الدولة الحديثة لا تُبنى على اقتصادين.

ولا تُدار بسلاح في يد، ودفاتر مغلقة في اليد الأخرى.

السؤال الآن ليس من يتهم من،

بل:

هل يملك السودان الشجاعة لفتح ملف اقتصاد المؤسسة العسكرية بالكامل؟ ليس ذلك فحسب بل السؤال هل يمكن إصلاح مؤسسة ادمنت الفساد والاستبداد .. بالطبع لا السودان يحتاج لتأسيس جيش علي اسس جديدة وعادلة ومستدامة تتجاوز الجرائم والفظائع وفساد جيش وكلاء الاستعمار الذي تأسس قبل ميلاد الدولة السودانية المعتلة بثلاثة عقود 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!