رأي

تحطيم القالب الاستعماري

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

لم يفشل السودان لأنه يفتقر إلى الموارد، ولا لأنه عاجز عن إنتاج نخب سياسية أو عسكرية، بل لأنه ظل أسيراً لقالبٍ تأسس خارج إرادته. دولة وُلدت بوصفها أداة إدارة استعمارية، ثم أُعيد تدويرها بعد الاستقلال تحت عناوين وطنية زائفة، دون أن يُمسّ جوهرها البنيوي. وهكذا استمرت “دولة وكلاء الاستعمار” تعمل بذات الفلسفة: مركز مهيمن، أطراف مهمشة، واقتصاد مسيطر عليه من قلة تحتكر القرار والموارد.

المشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في السردية المؤسسة. سردية تقول إن الدولة كيان فوق المجتمع، وإن السلطة تُمنح من أعلى لا تُستمد من الشعب، وإن الأمن يسبق الحرية، وإن المركز أدرى بمصالح الأطراف. هذه الفرضيات صاغها المستعمر لخدمة حكمه، ثم ورثتها النخب الوطنية دون مراجعة جذرية. فصار التغيير يتم داخل الإطار ذاته، لا خارجه.

جرب السودان الحلول الخارجية القائمة على نفس المنطق. مبادرات إقليمية ودولية، اتفاقيات انتقالية، تسويات تقاسم سلطة، صيغ “شراكة” و”محاصصة” و”ترتيبات أمنية” تُبقي الهيكل كما هو، مع تعديل الوجوه فقط. النتيجة كانت واحدة: دولة بلا مواطنة حقيقية، بلا عدالة متوازنة، وبلا عقد اجتماعي جامع. كل اتفاق وُلد من رحم الفرضيات ذاتها التي أنتجت الأزمة، ولذلك كان مصيره التعثر أو الانهيار.

المؤسف أن القوى المدنية، على اختلاف أطيافها، لم تخرج بالكامل من أسر هذه السرديات. بعضها تبنى خطاب الثورة، لكنه ظل يفكر بمنطق الدولة المركزية القديمة. وبعضها تحدث عن المدنية، لكنه لم يُعد تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة. حتى داخل ما سُمّي بالثورة، تسللت ذات الفيروسات الفكرية: الإيمان بالنخبة المنقذة، والارتهان للوسيط الخارجي، والرهان على حلول فوقية لا تنبع من عمق المجتمع.

أما قوى الردة، فهي أكثر وضوحاً في تمسكها بالبنية القديمة، لأنها المستفيد الأول من استمرارها. لكنها ليست وحدها من يتحمل المسؤولية؛ فالخلل أعمق من أن يُختزل في تيار واحد. إنه خلل في مفهوم الدولة ذاته.

الدولة الاستعمارية لم تُبنَ لتكون دولة مواطنة، بل دولة إدارة وضبط. لم تُصمم لتعكس تنوع السودان، بل لتُحكمه من مركز واحد. ولذلك، فإن أي محاولة لبناء وطن سليم ومعافى دون تحطيم هذه البنية ستكون مجرد إعادة طلاء لجدار متصدع.

المطلوب اليوم ليس إصلاحاً جزئياً، بل إعادة تأسيس كاملة. إعادة تعريف الدولة بوصفها تعبيراً عن الإرادة الشعبية لا أداة وصاية عليها. إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس العدالة لا الامتياز. إعادة بناء الاقتصاد بحيث يخضع للشفافية والمساءلة لا للاحتكار والغنائم.

تأسيس دولة سودانية جديدة يعني أولاً الاعتراف بأن ما ورثناه لم يكن عقداً اجتماعياً حراً، بل ترتيبات قسرية. ويعني ثانياً أن المواطنة يجب أن تكون الأساس الوحيد للحقوق والواجبات، لا العرق ولا الجهة ولا الانتماء الأيديولوجي. ويعني ثالثاً أن السيادة لا تُستورد من الخارج، ولا تُستمد من اعتراف العواصم البعيدة، بل من رضا الناس في الداخل.

لقد أثبتت التجارب أن التعويل على الخارج، مهما حسنت النوايا، لا يصنع دولة مستقرة إذا لم تتغير الفرضيات المؤسسة. وأثبتت كذلك أن إعادة تدوير النخب داخل الإطار ذاته لا تنتج تحولاً حقيقياً.

السودان بحاجة إلى لحظة وعي جماعي تُدرك أن المشكلة ليست في تبديل الحراس، بل في تغيير البناء. أن الدولة التي صيغت لخدمة استعمار الأمس لا تصلح أساساً لوطن الغد. وأن التحرر الحقيقي يبدأ بتحرير الوعي من السرديات الزائفة التي تسكننا قبل أن تسكن مؤسساتنا.

على أنقاض الدولة الاستعمارية يمكن أن يُبنى وطن جديد، لكن ذلك يتطلب شجاعة فكرية وسياسية غير مسبوقة. شجاعة الاعتراف بأن الطريق القديم مسدود، وأن الحل لا يكمن في ترقيع الماضي، بل في ابتكار مستقبل مختلف. دولة تقوم على العدالة الاجتماعية والسياسية، وتحترم تنوعها، وتُخضع السلطة لإرادة الشعب، لا العكس.

ذلك هو التحدي، وتلك هي اللحظة. إما أن نواصل الدوران في حلقة سرديات زائفة، أو نكسر القالب ونؤسس لوطنٍ يستحق اسمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!