
سمية النور دهب
لم تعد التطورات الأخيرة مجرد تصعيد عسكري عابر في سجل المواجهات المتكررة بين واشنطن وطهران، بل تحوّلت إلى لحظة فاصلة تهدد بإعادة رسم ملامح النظام الإقليمي بأكمله. الضربة التي استهدفت قلب البنية القيادية في إيران، وما تلاها من إعلان عن مقتل المرشد علي خامنئي إن تأكد رسمياً وضعت المنطقة أمام اختبار غير مسبوق، يتجاوز منطق الردع التقليدي إلى سؤال أعمق يتعلق بمستقبل توازن القوة في الشرق الأوسط.
على مدى أربعة عقود، تشكّلت معادلة إقليمية قائمة على صعود النفوذ الإيراني وتوسّع مفهوم “العمق الاستراتيجي” خارج الحدود. لم يكن هذا النفوذ حدثاً طارئاً، بل نتيجة مسار طويل من التمدد السياسي والأمني، مستفيداً من تحولات كبرى شهدتها المنطقة منذ مطلع الألفية. ومع كل جولة توتر، كانت التوازنات تُعاد صياغتها عبر قنوات خلفية أو تفاهمات غير معلنة، بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. غير أن الضربة الأخيرة كسرت هذا الإيقاع الحذر.
استهداف رأس الهرم القيادي، إن ثبت، يعني الانتقال من إدارة النزاع إلى محاولة إعادة تعريف قواعده. فحين يُضرب مركز القرار، تتغير طبيعة الردود، وتتصاعد الاعتبارات الرمزية والسيادية إلى مستوى يتجاوز الحسابات التكتيكية. هنا تصبح المسألة مسألة بقاء وهيبة، لا مجرد رد على منشأة أو موقع عسكري.
الرد الإيراني عبر توسيع دائرة المواجهة إلى خارج حدودها، بما شمل أراضي خليجية، عكس بدوره تحولاً في منطق الصراع. لم تعد المواجهة ثنائية، بل تحولت إلى مشهد إقليمي مفتوح، تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع اعتبارات السيادة والاستقرار الداخلي. دول الخليج، التي سعت في مراحل سابقة إلى لعب دور الوسيط أو الجسر بين الأطراف، وجدت نفسها فجأة في موقع المتضرر المباشر، ما فرض إعادة تقييم سريعة لخياراتها الاستراتيجية.
في المقابل، بدا المجتمع الدولي مدركاً لحجم المخاطر، لكن محدوداً في أدوات التأثير. جلسة مجلس الأمن الطارئة عكست القلق من اتساع رقعة الحرب، إلا أن الانقسامات الدولية تُضعف القدرة على فرض مسار واضح للاحتواء. أوروبا، التي تخشى فوضى إقليمية جديدة أو سباقاً نووياً متسارعاً، تميل إلى تهدئة محسوبة، فيما تبدو واشنطن وتل أبيب أكثر استعداداً لتحمل مخاطر كسر المعادلة السابقة إذا كان ذلك يحقق إعادة ضبط طويلة الأمد.
داخل إيران، يفتح احتمال غياب المرشد الباب أمام مرحلة انتقالية حساسة. اختيار قيادة جديدة لن يكون إجراءً شكلياً، بل عملية سياسية معقدة تتداخل فيها المؤسسة الدينية مع مراكز القوة الأمنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري. قدرة النظام على إعادة إنتاج توازنه الداخلي بسرعة ستحدد إلى حد بعيد اتجاه الأحداث، سواء نحو احتواء التصعيد أو نحو تصعيد أوسع.
إقليمياً، ستخضع شبكة النفوذ الإيرانية لاختبار حقيقي. القوى المتحالفة مع طهران في أكثر من ساحة قد تجد نفسها أمام خيارات صعبة بين إثبات الولاء عبر التصعيد، أو تجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة. في كلتا الحالتين، فإن ملامح التوازن الإقليمي لن تبقى على حالها.
أما اقتصادياً، فقد أظهرت الأسواق هشاشة اللحظة. ارتفاع أسعار النفط وتقلبات الأصول الآمنة يعكسان إدراكاً عالمياً بأن أي اضطراب في الممرات الحيوية للطاقة قد يحول الأزمة إلى صدمة عالمية. ورغم أن الرهان الحالي يقوم على بقاء التصعيد ضمن حدود محسوبة، فإن هامش الخطأ ضيق.
المنطقة، إذاً، أمام مفترق طرق واضح. إما أن تقود هذه الضربة إلى إعادة صياغة تفاهمات جديدة بشروط مختلفة، تعيد ضبط ميزان الردع، أو أن تفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطراباً يعاد فيها تشكيل موازين القوة عبر المواجهة المباشرة أو غير المباشرة. في كل الأحوال، يبدو أن الشرق الأوسط دخل مرحلة لا تشبه ما قبلها، وأن معادلة القوة التي استقرت نسبياً خلال السنوات الماضية تتعرض الآن لاختبار عميق قد يعيد تعريفها لسنوات قادمة.




