
ابو عبدالله الراشدي
في خضم التصعيد الإقليمي غير المسبوق، تداولت مصادر متعددة روايات تشير إلى أن الهجمات الصاروخية التي نُسبت إلى إيران ضد عدد من دول الخليج جاءت في سياق حالة ارتباك داخلي عميق داخل بنية النظام. وبحسب هذه الروايات غير المؤكدة، فإن التطورات المفاجئة داخل هرم السلطة الإيرانية ربما دفعت الحرس الثوري إلى رد فعل وُصف بأنه يائس وعشوائي، عكس حجم الصدمة التي يعيشها النظام.
سواء صحت تلك المعطيات أم لا، فإن المؤكد أن المنطقة تعيش لحظة مفصلية تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات. فالتوتر المتصاعد بين إيران من جهة، وتحالف يضم الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الخليجية من جهة أخرى، لم يعد مجرد خلاف سياسي تقليدي، بل تحوّل إلى صراع استراتيجي مفتوح على احتمالات متعددة.
يرى محللون أن ما يجري يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، ليكشف هشاشة الأنظمة ذات البنية الأيديولوجية المغلقة حين تواجه صدمات كبرى. فالأنظمة التي تُحكم بمنطق العقيدة السياسية الصلبة، وتخلط بين الدولة والتنظيم، غالباً ما تعجز عن استيعاب التحولات أو مراجعة مساراتها. وعندما تضيق الخيارات، تلجأ إلى التصعيد كوسيلة لإعادة إنتاج الهيبة أو تأجيل السقوط.
إن التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية، مثلها مثل تجارب أخرى في المنطقة، تقدم نموذجاً لدولة صاغت مشروعها السياسي في إطار أيديولوجي ديني صارم، جعل من الاختلاف خيانة ومن المعارضة تهديداً وجودياً. هذا النمط من الحكم، بطبيعته، لا يحتمل النقد ولا يقبل التعدد، وهو ما يجعله عرضة لهزات عنيفة عندما تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وفي السياق ذاته، فإن المقارنة مع تجارب أخرى في المنطقة تكشف تشابهاً في الذهنية، لا في التفاصيل. فحين تختطف جماعة ما الدولة ومؤسساتها، وتُلبس مشروعها التنظيمي لباس الوطن، تصبح كل معارضة عدواً، وكل اختلاف خروجاً على “المقدس السياسي”. غير أن التاريخ يثبت أن احتكار الحقيقة لا يدوم، وأن الشعوب، مهما طال صبرها، تعيد صياغة معادلات القوة حين تتوفر اللحظة المناسبة.
المشهد الراهن قد يكون إيذاناً بمرحلة جديدة، ليس فقط في علاقة إيران بجوارها، بل في مسار الأنظمة الأيديولوجية في الشرق الأوسط عموماً. فالقوة العسكرية وحدها لا تمنح شرعية دائمة، والتحالفات الخارجية لا تعوض الشرعية الداخلية. وما لم تُفتح أبواب الإصلاح الحقيقي، وتُفصل الدولة عن العقيدة السياسية، فإن دوائر العنف ستظل تتكرر بأشكال مختلفة.
في النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أن الشعوب لا يمكن إخضاعها إلى الأبد بمنطق التخوين أو التخويف. والتاريخ، كما علمتنا تجاربه المتعاقبة، لا يحتفظ في صفحاته إلا بمن انحاز إلى الحرية والعدل، أما من راهنوا على القمع والاحتكار، فإنهم يمرون عابرين، مهما بدا حضورهم طويلاً.




