رأي

العاصفة.. من تفكيك الأخطبوط إلى الممرات الملتهبة

د.خالد تارس

 

دكتور خالد تارس

ان الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران هي زلزالٍ استراتيجي يُعاد به رسم خرائط الشرق الأوسط بطائرات ال F_35 والقاذفات الشبحية، وما يجري هناك تجاوز مفهوم (الردع) إلى محاولة قلب الطاولة على نظامٍ يمارس سياسة التمدد عبر الوكلاء، ويُحكم قبضته على جغرافيا ملتهبة من الخليج إلى البحر الأحمر.

فالمشهد يقول إن العملية الخاطفة لم تكن استعراض قوة بقدر ما كانت ضربة قاضية. استهدفت مراكز القيادة وعرش النظام الايراني، وان مقتل علي خامنئي وشلّ الدوائر الصلبة المحيطة بالمرشد الأعلى، هي رسالة واضحة بأن الهدف ليس إضعاف، بل تفكيك كامل لبنية القرار الجمهوري في طهران، بالمقابل فقد جاء الرد الإيراني تقليدياً بصواريخ بالستية علي لحلفاء واشنطن في الخليج وأجزاء هامشية من إسرائيل، وهي محاولة (يائسه) لخلط الأوراق وإظهار القدرة على الردع، لكن الفارق بين الضربة والرد يعكس اختلالاً في ميزان المبادرة بين من يختار توقيت المعركة ومن يملك نصفها.!

لم يخفِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سقف الرهان، وما عاد الحديث عند (احتواء) إيران بل عن إزالة تهديد وجودي لاسرائيل او كما قال نتنياهو. هذه اللغة، حين تُترجم إلى صواريخ ذكية وعمليات (استخبارية) عميقة تعني أن هذه الاستراتيجية لا تتوقف عند طهران. فالعقيدة الإسرائيلية تقوم على مبدأ ضرب المركز وتجفيف الأطراف معاً، لأن بقاء الأذرع يعني القدرة على إعادة إنتاج التهديد.!

وفي هذه الحالة يدخل البحر الأحمر إلى قلب المعادلة ليس كممر حيوي وشريان تجارة عالمي، لكن باعتبارة مسرحاً لصراع النفوذ. وإذا كانت طهران قد بنت استراتيجيتها الإقليمية على شبكة وكلاء، فإن المنطق العسكري للعملية الإسرائيلية الأميركية سيدفع باستهداف تلك الشبكة حيثما وُجدت. من اليمن الى غزة وبورتسودان حتى السواحل المفتوحة والموانئ الحساسة، وستتحول الخريطة إلى اهداف عسكرية مباشرة، في اليمن يبرز الحوثيون بوصفهم أحد أكثر الأذرع التصاقاً بالمشروع الإيراني، حضوراً وتسليحاً وخطاباً. وفي غزة، تمثل حركة حماس امتداداً معقداً لتقاطعات الدعم والتمويل والتحالفات المتبدلة. أما السودان، فيطل من زاوية مختلفة وحساسة وهو احد ممرات النفوذ الايراني إلى حماس، ان التاريخ القريب يشهد على تقاطعات بين طهران ونظام عمر البشير، ومسارات تعاون أمني وعسكري استمر حتى حرب الخامس عشر من ابريل وخلال هذه الحرب استلم جيش البرهان وكتائب الحركة الاسلاموية شحنات اسلحة ايرانية متطورة، وفي ظل المتغيرات الجديدة في المنطقة تُطرح أسئلة صعبة جدت حول شبكات النفوذ القديمة، وحول الجماعات الإسلامية التي يُقال إنها ما زالت تتلقى دعماً وإسناداً (أيديولوجياً) من إيران.؟

حيث يبقى التحليل السليم ان اي حملة استراتيجية تهدف إلى تفكيك النفوذ الإيراني لن تتجاهل الساحات التي تمنح هذا النفوذ عمقاً بحرياً أو لوجستياً. فالبحر الأحمر، بموانئه وممراته يعتبر رئةً استراتيجية. واي بؤر تهديد مرتبطة بإيران على ضفتيه تدخل في دائرة الضغط السياسي والأمني، سواء عبر العقوبات أو عبر ضربات تحت عناوين متعددة.!

لكن المشهد ليس أحادي الاتجاه في توسيع رقعة الصراع، وقد يحمل مخاطر انفجار إقليمي واسع وكل ضربة قد تُنتج ظلالاً غير (محسوبة). ومع ذلك، يبدو أن الحسابات في تل أبيب وواشنطن تميل إلى أن كلفة الإبقاء على شبكة النفوذ الإيراني أعلى من كلفة المواجهة المباشرة معها.!

ان الشرق الأوسط اليوم على مفترق ناري، إما أن تنجح الضربات في فرض واقع جديد يحدّ من تمدد إيران ويعيد توزيع القوة في الإقليم، أو تنفتح أبواب مواجهة طويلة تتداخل فيها الساحات من طهران إلى البحر الأحمر. وفي هذا السياق على الدول الواقعة في خط التماس، اولها السودان، أن تدرك أن الاصطفاف الأيديولوجي والغموض (الاستراتيجي) سيضعها في مرمى حسابات أكبر. فالنيران التي تشتعل في ايران كانت عنوان لمرحلة تُختبر فيها قدرة الأنظمة على الصمود، وتُعاد فيها صياغة التحالفات بالقوة، وبعد اليوم السؤال لم يعد حول مواجهة الأذرع، ولكن حول كيفية ادارة المرحلة، ومن يملك البوصلة ليخرج من العاصفة دون مواجهة.؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!