رأي

محمد خليفة .. خبر حزين عن رجل زيف صوت الجبال

عمار نجم الدين

عمار نجم الدين

حين كتب صديقي محمد خليفة منشوره الأخير عن كادقلي، كان واضحًا أن شيئًا ما قد ضلّ طريقه. كتب بنبرة طارئة، غاضبة، مُتعاطفة مع أهل المدينة، لكنّه – وللأسف – أشار بأصبع الاتهام في الاتجاه الخطأ، قائلاً:

“بسبب حصار قوات المليشيا والحركة الشعبية… مدينة كادقلي تعاني من الجوع… أهلها جوعى ومرضى… ويعيشون كامل المأساة.”

هذه الكلمات، رغم نواياها، تخطئ الوقائع التي ظللنا نتابعها عن كثب منذ عام. وصديقي محمد – رغم ثقافته السياسية – يبدو أنه تلقّى جزءًا من المعلومة من مصادر تُشكّلت داخل غرف مغلقة، في مكاتب إعلامية ترتبط بصورة أو بأخرى بجهاز امن الدولة في بورسودان. ولعل هذا الموقف لا يمكن عزله عن الخلفية الأيديولوجية التي يحملها محمد، كأحد أبناء “حزب البعث العربي الاشتراكي – قيادة العراق”. ذلك التيار الذي ظل في صراع تاريخي مفتوح مع الحركة الشعبية، ليس بسبب أحداث السودان، بل بسبب إسقاطات مرتبطة بالعراق: الصراع مع الأكراد، الموقف من أمريكا، والتاريخ الدموي للحروب الأيديولوجية. ومن هنا، لا يكون غريبًا أن ينسحب هذا الموقف العدائي نحو الحركة الشعبية، دون قراءة موضوعية للواقع السوداني وتعقيداته.

منذ يوليو 2024، وافقت الحركة الشعبية على دخول الإغاثة الإنسانية إلى كادقلي والدلنج، بموجب اتفاق ثلاثي ضم الأمم المتحدة، ومنظمة Smarten Birth، وحكومة جنوب السودان. وكان شرط الحركة الوحيد واضحًا: عدم إدخال سلاح تحت غطاء المساعدات الإنسانية. التزمت الحركة الشعبية، ولكن بعد شهرين فقط، في أكتوبر، أدخلت الحكومة السودانية أسلحة إلى الفرقة العسكرية في كادقلي داخل قوافل الإغاثة، في خرقٍ مباشر للاتفاق. ورغم ذلك، لم نسمع من محمد خليفة حينها أي تنديد بهذا التصرف.

وعلى مدى عام كامل، استمرّت الحركة الشعبية في تسهيل مرور المساعدات الإنسانية دون اعتراض، بينما حكومة الولاية صادرت الإغاثة واحتجزتها داخل مخازن القيادة العسكرية، معلنة أنها “مخزون استراتيجي للجيش”، وسط جوع حقيقي يضرب المدينة. هذه ليست رواية من طرف واحد، بل هي ما أكده كافي طيارة – أحد القيادات الأمنية البارزة داخل المنظومة الحكومية نفسها – الذي خرج في اليومين الماضيين ليتهم صراحةً والي جنوب كردفان وقائد الفرقة العسكرية بأنهما السبب المباشر في تجويع المدينة. دخل كافي طيارة السوق بنفسه، وفك الحصار عن شحنات الإغاثة التي كانت تُباع للمواطنين في السوق السوداء، رغم أنها مساعدات إنسانية من الأمم المتحدة.

لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد. اندلع اشتباك مسلح عنيف بين مجموعة كافي طيارة ومجموعة تابعة للجيش يقودها شخص يُدعى “مطوه”، وأسفر القتال عن مقتل تسعة أشخاص، بينهم طفل. كان صراعًا داخليًا صريحًا، لا علاقة له بالحركة الشعبية، بل بين أجهزة السلطة نفسها التي اتُّهِمت بتجويع المواطنين عمدًا.

كل هذه التفاصيل، وكل هذا الصراع، وكل هذه الدماء، لم تكن كافية لتجعل صديقي محمد يعيد النظر في منشوره. لم يتوقف ليسأل: من الذي سهّل دخول الإغاثة؟ ومن الذي صادرها؟ من الذي فتح الممر، ومن الذي أغلق الباب؟

ذاكرتي لا تنسى. في العام الماضي، اتهم محمد خليفة الحركة الشعبية بأنها قصفت مدينة كادقلي، في حملة إعلامية نشرها على فيسبوك، وتيك توك، ويوتيوب، وكلوب هاوس. لكن الأمم المتحدة، في تقرير رسمي مدعوم بالفيديو، أكدت أن الجيش السوداني هو من هاجم مواقع الحركة، مستخدمًا المدنيين كدروع بشرية. لم يتراجع محمد عن اتهامه، ولم يعتذر، ولم يعترف بأن المعلومة كانت مغلوطة. وها هو يعيد السيناريو ذاته، في نسخة جديدة، أقل دقة، وأشد وقعًا.

أنا لا أتهم محمد خليفة بالعداء الشخصي. بل أراه ضحية لخطاب يبدو متماسكًا من الخارج، لكنه مُفخّخ داخليًا. هو يكتب عن انتهاكات الجيش، لكنه ينتقي الأسهل: سرقة، شتائم، تجاوزات فردية. بينما يوجه أقسى اتهاماته إلى الحركة الشعبية: القتل، التجويع، الخيانة. هذا ما يسميه خبراء الإعلام في الأدبيات الأمنية بـ”الضرب الانحرافي الموجه”، حيث تُصنع صورة ظاهرها الحياد، وباطنها نزع الشرعية من الطرف الثوري.

أنا لا أطلب من محمد أن يتبنى موقف الحركة الشعبية، ولا أن يتفق معها. كل ما أرجوه هو أن يكتب بمنطق الإنصاف، لا بمنطق الغرف. أن يسأل عن الأطفال الذين ماتوا، عن الإغاثة التي مُنعت، عن السوق الذي كان مغلقًا، قبل أن يوجّه سهامه نحو الجهة التي سمحت بمرورها.

لقد كنا أصدقاء… وما زلت أراه كذلك. لكنني اليوم أكتب له لا من منفى، بل من صدى الصدق في كادقلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!