مجتمع

لماذا يُخيفهم الوليد مادبو؟

حسن النعمان

 

حسن النعمان 

ليس الخوف من رجلٍ بعينه، بل من الفكرة حين تمشي على قدمين. هكذا يمكن قراءة الحملات المتتابعة التي تستهدف الدكتور الوليد مادبو؛ فالرجل لا يثير الضجيج، لكنه يثير القلق. لا يرفع صوته، لكنه يرفع سقف النقاش. وحين يرتفع السقف، تضيق صدور الذين اعتادوا الأسقف الواطئة.

الوليد مادبو ليس ظاهرة عابرة في المشهد الفكري السوداني، بل هو امتدادٌ لجذورٍ ضاربة في تربة المعرفة والوعي. يشبه شجرة التبلدية: صلبة، باسقة، تمنح ظلّها لمن يقترب، وتحتفظ بعصارتها لمن يحسن الاستفادة منها. حضورُه ليس صدى لقبٍ أو نسبٍ يُتداول في المجالس، بل حصيلة علمٍ متراكم، وتجربةٍ فكرية لا تحتاج إلى ادّعاء. لذلك لا يتكئ على سرديات جاهزة، ولا يستعير انتماءً ليحتمي به، بل يواجه بما يملك: فكرة واضحة، وحجة رصينة، ولسانًا لا يهادن.

لماذا يخيفهم إذن؟

لأن الفكرة الحرّة تُربك منظومات مغلقة. ولأن الخطاب المؤسس على المعرفة يكشف هشاشة الخطاب المؤسس على الانفعال. في كل مرة يكتب فيها مقالًا، يتحول النص إلى ساحة اختبار؛ لا لمتانة منطقه فحسب، بل لقدرة خصومه على مجاراته. وحين يعجزون عن النقاش بالحجة، يلجأون إلى التشويش، فيخلطون بين الرأي والشخص، ويظنون أن الإساءة تُغني عن البرهان.

ثمة من اعتاد أن يحتكر تعريف الهوية، وأن يصوغ الانتماء وفق مقاييسه الضيقة. وحين يأتي صوتٌ يقرأ التاريخ قراءة أوسع، ويعيد ترتيب المفاهيم بعيدًا عن العصبية والضجيج، يشعرون أن مواقعهم مهددة. ليس لأن الرجل ينازعهم سلطة سياسية، بل لأنه ينازعهم سلطة التأويل. وهذا أخطر. فالسيطرة على المعنى هي الوجه الآخر للسيطرة على المجال العام.

ثم إن الأصالة، حين تكون حقيقية، تُتعب المقلّدين. الأصالة لا تحتاج إلى صخب لتثبت وجودها، ولا إلى حملة علاقات عامة لتفرض احترامها. يكفيها ثباتها. والوليد مادبو، في حضوره الفكري، ثابت كالتبلدية: لا ينحني لعاصفة عابرة، ولا يغيّر مساره ليُرضي جمهورًا متقلّبًا.

الخوف إذن ليس من شخصه، بل من أثره. من الكلمة حين تكون عالمة لا غوغائية، ومن الفكرة حين تتحرر من وصاية السرديات المغلقة. يخافون لأنهم يدركون، ولو في أعماقهم، أن المعركة الحقيقية ليست مع رجل، بل مع زمنٍ يتبدّل، ومع وعيٍ يتسع.

وحين يتسع الوعي، تضيق المساحات التي كان يحتلها الضجيج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!