من «حروب الظل» إلى كسر السقف: هل دخلت المنطقة صداماً مباشراً… وما الذي ينتظر الشرق الأوسط والسودان؟
هويدا سنادة

هويدا سنادة
لم يعد ممكناً التعامل مع المواجهة الجارية بين إيران وإسرائيل بوصفها “تصعيداً للتخويف” أو استمراراً لحروب الظل المعتادة. ما نشهده ـ وفق وتيرة الضربات المتبادلة واتساع خرائط الأهداف ـ يقترب من مرحلة صدام مباشر، حتى إن ظلّت بعض خطوط الاشتباك محكومة بحسابات ردع تمنع الانزلاق إلى حربٍ مفتوحة بلا سقف.
فخلال أيام قليلة، تتابعت ضرباتٌ استهدفت العمق الإيراني، وردودٌ إيرانية بصواريخ ومسيّرات امتدت آثارها إلى إسرائيل ودولٍ خليجية، مع مؤشرات على انتقال الاشتباك إلى “شبكات الحلفاء” في الإقليم، بما في ذلك جبهة لبنان وتهديدات/هجمات تمس البنية التحتية للطاقة والممرات البحرية.
1) صدام مباشر أم “تصعيد محسوب”؟
الأقرب للواقع أن الصورة مركّبة:
نعم، هو صدام مباشر لأن تبادل الضربات بات علنياً ومتكرراً وبوسائط ثقيلة، ولأن الاستهداف تجاوز الرمزية إلى أهدافٍ ذات حساسية أمنية وعسكرية.
وفي الوقت نفسه هو تصعيد محسوب لأن الطرفين ـ ومعهما القوى الكبرى ـ يدركون أن الحرب الشاملة ستعني كلفة هائلة: اقتصادياً وطاقوياً وبحرياً، وربما سياسياً داخلياً على أكثر من عاصمة. لذا تظهر محاولات “رفع الكلفة” دون إغلاق باب التهدئة بالكامل.
بعبارة أدق: نحن أمام ردعٍ يتآكل وقواعد اشتباك تتبدّل بسرعة. وعندما تتبدّل القواعد، يصبح الخطأ الصغير أو “ضربة زائدة” كافياً لنقل المنطقة إلى مستوى أخطر.
2) كيف يعاد تشكيل الشرق الأوسط؟
إذا استمر هذا المسار، فهناك ثلاث تداعيات كبرى مرجحة على مستقبل الإقليم:
أولاً: عسكرة الإقليم وتراجع فرص الدبلوماسية.
زيادة الحشد العسكري والردود المتبادلة تعني تضييق مساحة التفاوض، خصوصاً في ملفات شديدة الحساسية مثل البرنامج النووي والترتيبات الأمنية الإقليمية. وكل يوم تصعيد إضافي يرفع سعر “التراجع” سياسياً لدى الأطراف.
ثانياً: اهتزاز الاقتصاد الإقليمي واضطراب الطاقة والملاحة.
اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مصالح طاقة ومرافئ أو تهديدات في الخليج وبحر عُمان/الممرات القريبة ينعكس مباشرة على التأمين والشحن وأسعار الطاقة، ويعيد شبح “اقتصاد الحرب” إلى أسواق كانت تبحث عن استقرار ما بعد أزمات سابقة.
ثالثاً: نهاية “الحياد المريح” وتصلّب الاصطفافات.
حين تُنقل الرسائل عبر ضرب المصالح، تُدفع دول المنطقة إلى مواقف أوضح: أمنياً، وديبلوماسياً، وحتى إعلامياً. وفي لحظات الاستقطاب الحاد، يصبح الوقوف في المنتصف أكثر كلفة من اختيار أحد المسارات.
3) ما تأثير ذلك على حرب السودان؟
الحرب في السودان ليست جزيرة معزولة. وتأثير الصراع الإيراني–الإسرائيلي قد يمر عبر مسارين متوازيين:
المسار الأول: تشتيت الانتباه الدولي وتراجع الضغط الدبلوماسي على أطراف الحرب.
عندما تتصدر مواجهة إقليمية كبرى واجهة الاهتمام، تتراجع الأولويات الأخرى في غرف القرار. وهذا يضعف الزخم الدبلوماسي والإنساني تجاه السودان، ويؤخر مبادرات وقف إطلاق النار، أو يقلل من فاعلية “الضغط المنسق” على الأطراف المتحاربة. وبالفعل، كانت تقارير وتحليلات حديثة تشير إلى حراكٍ منسوب لـ“الرباعية” وخططٍ تُناقش لدفع مسار سلام، وهي مسارات تصبح أكثر هشاشة كما تمدد لهيب الإقليم.
المسار الثاني: خطر تحويل السودان إلى ساحة وكالة أو عقدة في خطوط الإمداد.
هنا تظهر الحساسية الأكبر: أي تصاعد في الحديث عن علاقات عسكرية/تسليحية أو تعاون في مجال الطائرات المسيّرة، يجعل السودان جزءاً من حسابات “رفع الكلفة” بين المحاور، لا سيما مع حساسية البحر الأحمر وخطوط التجارة. توجد تقارير سابقة عن وصول مسيّرات/دعم عسكري للجيش السوداني، ومع تطور حرب المسيّرات داخل السودان أصلاً، تصبح ساحة القتال أكثر قابلية للتدويل عبر التكنولوجيا والسلاح والتمويل.
ولا يعني ذلك بالضرورة “ضربات مباشرة”، لكنه يعني أن السودان قد يصبح:
ورقة ضغط سياسية في ملفات أكبر،
أو ساحة تنافس على النفوذ في البحر الأحمر،
أو عقدة إمداد/ممر لوجستي في حرب استنزاف طويلة.
4) الخلاصة: المنطقة تدخل “المرحلة الرمادية الثقيلة”
الخطر الحقيقي ليس فقط في حجم الضربة، بل في تراكم الضربات وتعدد الجبهات. فعندما تتسع رقعة النار، يصبح من السهل أن يغيب السودان عن رادار العالم، أو أن يُعاد تعريفه كـ“ملف أمني” ملحق بصراعات الإقليم، بدل كونه مأساة إنسانية وحرباً تتطلب تسوية وطنية عاجلة.
ما يحدث الآن تجاوز التخويف التقليدي، لكنه لم يستقر بعد على شكل الحرب النهائية. إنه صدام مباشر بحدودٍ متحركة—وكلما طال أمده، زادت احتمالات أن يدفع الشرق الأوسط ثمنه اقتصاداً وأمناً، وأن يدفع السودان ثمنه سلاماً وفرصاً واهتماماً دولياً.
هويدا سنادة




