
فاطمة لقاوة
في عام 2005م، وُقِّعت اتفاقية اتفاقية نيفاشا وسط آمال عريضة بأن يكون النفط بوابةً للسلام والتنمية، لا وقودًا للتهميش والصراع،إلاَّ أن ما جرى في ولاية غرب كردفان كان العكس تمامًا: موردٌ ناضب إستُخرج بلا رؤية تنموية عادلة، وبلا شراكة حقيقية مع المجتمعات التي تقوم الحقول على أرضها.
منذ البدايات، أُدير ملف البترول بقبضة أمنية صارمة من حكومة الخرطوم،غابت الشفافية، وغُيِّبت المجتمعات المحلية عن أي رقابة أو مساءلة،كل من طالب بكشف الأرقام أو نصيب الولاية من العائدات وُوجه بالتهميش، أو الإحتواء بالرشاوى، أو التنكيل إن أصرّ على الرفض،و تحوّل النفط إلى منطقة محرّمة لا يُسمح بالاقتراب منها إلا لمن يبارك الرواية الرسمية.
الإتفاقيات الدولية في قطاع الإستخراج تفرض التزامات واضحة: تنمية شاملة، خدمات أساسية، حماية بيئية صارمة قبل وأثناء وبعد الإستخراج.
الواقع في غرب كردفان يقول غير ذلك. لا تنمية مستدامة، لا بنى تحتية تليق بحجم الثروة المستخرجة، ولا معالجة لأثر التلوث على الأرض والإنسان،كانت التضحية بالمجتمعات هي الثمن الأسهل.
جاءت حرب ١٥ ابريل، وتبدلت موازين السيطرة، اليوم تفرض قوات الدعم السريع سيطرتها على حقول النفط في الولاية.
اللافت أن الحقول لم تشهد إشتباكات تُذكر بين الجيش والدعم السريع؛ تمّ تسليم وتسلم وانسحاب بهدوء، بينما يُصرّ الطرفان على نفي أي تفاهم.
هذا الهدوء المريب يفتح باب الأسئلة: من يحمي من؟ ومن يتقاسم ماذا؟ ولماذا يبقى ملف البترول خارج دائرة الصراع المعلن وكأنه خط أحمر مشترك؟في خضم هذا المشهد، أعلنت حكومة السلام والوحدة تسمية وزيرٍ للنفط.
خطوةٌ بدت في ظاهرها استعادةً للمؤسسية، لكن السؤال الجوهري ظلّ معلقًا: هل إستلم الوزير مهامه بكامل صلاحياته الفعلية أم أن القرار ما زال يُدار من غرفٍ مغلقة؟ هل يملك حق الوصول إلى العقود والإنتاج والعائدات، أم أن الوزارة صارت واجهةً سياسية لملفٍّ تتحكم فيه مراكز قوى أخرى؟ثم ماذا عن ما سُمِّي بـ”لجنة البترول”؟ من أعضاؤها؟ ما تفويضها القانوني؟ وأين تقاريرها للرأي العام؟ إن كانت اللجنة قائمة بالفعل، فلماذا لا تُنشر بيانات شفافة تُطمئن أهل الولاية؟ وإن كانت مجرّد عنوان بلا أثر، فذلك يضيف طبقةً جديدة من الغموض إلى ملفٍ أثقلته الأسرار.
التعتيم لا يزال سيد الموقف. لا بيانات واضحة عن الإنتاج، ولا عن العقود، ولا عن نصيب المجتمعات في زمن الإنقسام، وفي الظل، يستمر صعود نفعيين جدد، امتدادًا لشبكات قديمة، يعيدون إنتاج ذات المعادلة:
إقصاء الأصوات المستقلة، تهميش القيادات المجتمعية الحقيقية، وشراء الولاءات لتمرير الأمر الواقع.
غرب كردفان لا تطلب المستحيل تريد فقط حقها في المعرفة، وإستحقاقها في نصيب عادل من ثروتها، وحقوقها في بيئة آمنة وخدمات تليق بأهلها.
النفط مورد ناضب؛ وما لم يُستثمر اليوم في الإنسان والتعليم والصحة والبنية التحتية، فسيبقى غدًا حفرةً أخرى في أرضٍ أنهكها الإستنزاف.
السؤال الآن ليس فقط: من يسيطر على الحقول؟بل: من يملك القرار؟ ومن يجرؤ على فتح الدفاتر أمام الناس؟.
هل سترضخ المجتمعات مرة أخرى؟أم أن جيلًا واعيًا سيحوّل بترول غرب كردفان من سرٍّ أمني،إلى قضية عدالة لا تقبل التأجيل؟
ولنا عودة بإذن الله
الأربعاء،٤مارس/٢٠٢٦م




