
دكتور خالد تارس
لم يعد صياح الكوز الراديكالي ناجي مصطفى قراءة بين السطور، فقد أعلن الرجل التعبئة ووضع الختم البارز على حقيقة يعرفها الجميع، الحقيقة أن إخوان السودان يعتبرون أنفسهم امتداداً عضوياً لنظام الولي الفقيه في إيران وهو أمر جدي، الدليل على ذلك انهم يتهيأون اليوم لمناصرته سياسياً وإعلامياً وعقائدياً إذا اشتدت عليه (العواصف).!
فاللغة التي استخدمها ناجي كوز لم تكن خطاباً تضامنياً أو حتى شعاراً سياسياً، كانت عملية إستنفار ينادي بمصير (مشترك) وتوصيف لعلاقة تمكين متبادلة بين طهران وبورتسودان. من المؤكد ان النظام الإسلاموي في السودان وجد في طهران سنداً بالسلاح والخبرة والمنهج الأمني، وفي السودان وجدت طهران ساحة نفوذ على البحر الأحمر وعمقاً أفريقياً لمشروعها. وهكذا تُدار التحالفات العقائدية على مصالح صلبة مغطاة بخطاب (ديني) مضجج بالعنف.؟
اليوم، ومع تصاعد الضغوط على النظام الايراني خرج أبواق الإخوان في اماكن عديدة لتهيئة قواعدهم نفسياً لمعركة يعتبرونها معركتهم، حيث يبدأ الأمر بحملة إعلامية لشيطنة التحالف الدولي الذي تقودة الولايات المتحدة، وذلك بإعادة تدوير مفردات الصهيونية والاستكبار، وضخ جرعات مكثفة من خطاب المظلومية الشعوبية. ثم تتدرج التعبئة إلى ما هو أخطر في إعادة إحياء مفردة (الجهاد) كواجب يتخطى الحدود، لا علاقة له بوطن ولا بسيادة.!
وحين يلوّح ناجيكوز بإرسال (كتائبهم) من براؤون وغيرها للقتال في جبال الفرس، فهو يبعث برسالة مزدوجة جزءا منها محور قتالي جاهز، وانه سيعيد إنتاج ماكينة التجنيد العقائدي لصالح نظام الملالي، وهو نفس الأسلوب الذي دفع بآلاف الشباب سابقاً إلى ساحات الموت، تحت لافتة (نصرة الأمة)، بينما الدولة تتآكل بالفساد.!
ان الحديث عن امتلاك اخوان السودان لمسيّرات متطورة ليس استعراض كلامي، بل هو تذكير بأن خطوط الإمداد الايراني مفتوحة، وأن السلاح الذي دخل السودان بعناوين مختلفة يمكن توجيهه وفق أولويات المحور الاخواني بلا تردد. وهنا يكمن الخطر في تحويل السودان إلى منصة دعم سياسي وإعلامي و(لوجستي) لمعركة إقليمية لا ناقة للشعب فيها ولا جمل. والأخطر من ذلك هو القطيعة المتعمدة مع النظام الدولي المشروع على نحو مغاير، وعندما يعلن ناجيكوز أنهم لا يعترفون بشرعية أمم متحدة ولا مجلس أمن ولا مواثيق دولية ولا عهود، فهم يمهدون لعزلة كاملة، وهذا انتحار سياسي لدولة منهكة أصلاً بالحرب والانقسامات.!
ولكن المعلوم أن الإسلام السياسي في السودان يدرك هشاشته الداخلية، لذلك يبحث عن شرعية مستعارة من معركة خارجية. وإذا صمد النظام في طهران فهم يلوّحون بأنتصار المحور، وإذا سقط تهاوت معهم السردية التي يتغذون عليها. فالمشروع هو تمكين عقائدي مغلق واقتصاد ظل، وسلطة تستمد بقائها من حالة طوارئ دائمة. لهذا يرفعون اصوتهم الآن عبر ابواق صاخبة كما يحدث ناجي مصطفي من ضجيج، فهم يعرفون أن أي زلزال في طهران سيرتد صداه في بورتسودان. واي سقوط هناك يعني انكشافاً هنا و انقطاع التمويل، وتآكل الغطاء الأيديولوجي لهذه الجماعة، وانفضاض قواعد أدمنت خطاب المعركة الكبرى.!
ان ما يجري ليس خطاب حماسية يسوقه الناجي، لكنه تجهيز لمسرح التعبئة الإعلامية، ومنابر التحشيد عبر شعارات جهادية يعاد شحذها، وهي بالكاد محاولة أخيرة لربط مصير السودان بمصير نظام ايدولجي (مأزوم). لكن الأوطان لا تُدار ببيعة خارجية وإذا ما أصرّوا على خوض معركة طهران من السودان، فعليهم أن يدركوا أن الشعوب التي دفعت ثمن مشاريعهم الزائفه والكذوبة لن تقبل أن تكون وقوداً لمغامرة جديدة.




