رأي

عار اللقاء

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم يكن ظهور موسى هلال إلى جانب مني أركو مناوي مجرد لقاء عاديا بين رجلين من دارفور؛ بل كان مشهداً كاشفاً يفضح طبقة كاملة من الساسة الذين بنوا مجدهم على دماء الناس ثم التقوا حين إهتزت مصالحهم.

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا أرسلت عصابة بورتسودان مناوي تحديداً لإستقبال موسى هلال بعد هروبه من مستريحة؟هل كان الأمر مصادفة؟ أم رسالة سياسية محسوبة بعناية؟

موسى هلال الذي ملأ الدنيا ضجيجاً قبل أيام بأنه سيواجه ويصمد، خرج من مستريحة هارباً. وفي أعراف القبائل في كردفان ودارفور، لم نسمع يوماً بأن شيخ قبيلة يترك أرضه ويهرب مهما كانت نتائج المعارك.

الفارس في تلك الأعراف يقاتل حتى الرمق الأخير، ويفضل الموت على الهروب، لأن الأرض والعرض والكرامة لا تُترك خلف الظهر،ما حدث كشف الفارق بين الفارس الحقيقي ورجل السياسة المصنوع في مطابخ المركز.

موسى هلال ليس مجرد شيخ قبيلة؛ بل هو نتاج مدرسة سياسية قديمة تعود جذورها إلى منظومة الحركة الإسلامية في السودان، تلك المدرسة التي إعتادت التضحية بكل شيء — حتى بالأبناء والأنصار — مقابل البقاء في السلطة،لذلك لم يكن الهروب مفاجئاً بقدر ما كان متسقاً مع هذه العقلية: البقاء أولاً، والقبيلة مجرد وقود،أما السؤال الأهم فهو: لماذا مناوي؟

الرجل الذي قدم نفسه لسنوات بوصفه حاملاً لقضية دارفور، ومقاتلاً من أجل المظلومين، وجدناه اليوم في موقع مختلف تماماً: مستقبلٌ لرجل هارب، ومبعوثٌ من سلطة بورتسودان لاحتواء شخص كان في يوم من الأيام قاتلا لأهله مرتكبا لجرائم سجلت بإسم الجنجويد و صدرت بحقها مذكرات توقيف لقيادات نافذة هندست المشهد في ذاك الوقت وما زالت تهندسه اليوم.

هذا المشهد وحده كافٍ ليكشف حجم التحولات التي طرأت على القيادات التي كانت تتحدث يوماً باسم الثورة والعدالة.

عندما يقف مناوي إلى جانب موسى هلال، فإن الصورة لا تعني مصالحة إجتماعية كما قد يحاول البعض تسويقها؛ بل تعني شيئاً أخطر: التقاء المصالح بين نخبٍ مختلفة حين تشعر أن نفوذها مهدد.

لقد ظلت هذه النخب طوال سنوات الصراع ترفع شعارات القضية والحقوق والكرامة. لكن الواقع كان مختلفاً:كلما إهتزت مصالحهم، عادوا سريعاً إلى التحالفات، ولو كان الثمن مزيداً من الدماء في القرى والفرقان.

ظهور هلال ومناوي جنباً إلى جنب يضع الحقيقة كاملة أمام إنسان دارفور الذي ظل مغيباً لعقود،فالقضية التي قيل إنها قضية كرامة وعدالة تحولت في يد بعض قادتها إلى سوق للمصالح، تُدار فيه التحالفات وفق ميزان القوة لا وفق ميزان الحق.

لعل أخطر ما في هذا المشهد أنه يكشف حقيقة مرة:

ليس كل من حمل السلاح كان يحمل قضية، وليس كل من تحدث عن المظالم كان صادقاً في الدفاع عنها.

لقد دفع أبناء دارفور وكردفان — من المزارعين والرعاة والطلاب — الثمن الأكبر في هذه الحروب،دماؤهم سالت، وقراهم إحترقت، بينما ظلت القيادات السياسية تتنقل بعيدا تدير الصفقات والتحالفات.

اليوم، ومع صورة هلال إلى جانب مناوي، تنكشف الستارة قليلاً،فالذين كانوا بالأمس خصوماً شرسين، أصبحوا اليوم شركاء حين إهتزت الأرض تحت أقدامهم،

وهنا يجب أن يبدأ السؤال الحقيقي لدى إنسان دارفور:

إن لم تكن هذه القيادات تقاتل من أجلنا! فمن أجل من كانت كل تلك الدماء تسيل؟

ولنا عودة بإذن الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!