رأي

🔶 وهم الكرامة… حين تُرفع الشعارات لتغطية رائحة الدم

أبو عبداللع الراشدي

 

 أبو عبدالله الراشدي

“أخطر أنواع الحروب هي التي يُخاض فيها القتال باسم الفضيلة، ويُقتل فيها الوعي باسم الشرف.”

في السودان، تحوّل شعار “الكرامة” إلى درعٍ رمزي يُخفي وراءه مشروعًا سياسيًا متعفنًا، تقوده جماعات الهوس الديني التي لا تعرف من الكرامة سوى لافتتها.

منذ أن اندلعت الحرب، حاول هؤلاء تحويلها إلى معركة مقدسة، لتبرير كل دمٍ يسيل، وكل بيتٍ يُهدم، وكل وطنٍ يُمزق.

لكن الحقيقة المرّة أن ما يُسمّى “حرب الكرامة” لم تكن دفاعًا عن وطن، بل صراعًا على سلطةٍ فقدت شرعيتها، تبحث عن مجدٍ زائفٍ في رماد المدن.

من يرفعون اليوم شعار الكرامة هم أنفسهم من أهدروا كرامة الوطن بالأمس، حين جعلوه أسيرًا لامتيازاتهم ومصالحهم.

هؤلاء الذين يصرخون عند الهزيمة ويتباكون على الدمار، لم يُبكهم الدم بل سقوط نفوذهم.

لقد صاغوا وعيًا زائفًا يجعل من الحرب قدرًا، ومن السلام خيانة، ومن القتل طريقًا للخلاص.

وهكذا تم اختطاف العقل الجمعي السوداني ليتحول من وعيٍ بالوطن إلى ولاءٍ للخطاب التعبوي المسموم.

الحرب التي يخوضونها ليست معركة دفاع عن السيادة كما يزعمون، بل محاولة لإحياء نظامٍ مات أخلاقيًا قبل أن يسقط سياسيًا.

أعادوا إنتاج خطاب “الجهاد” بوجهٍ جديد، وأطلقوا على حربهم أسماء لامعة تخفي ظلام الفكرة وموت الضمير.

فمنذ متى كانت الكرامة تُقاس بعدد القتلى؟ ومنذ متى كانت البطولة في أن نحرق ما تبقّى من وطنٍ أنهكه الدم؟

“الكرامة لا تُبنى على الجثث، ولا تُصان بالشعارات، بل تُولد حين يرفض الإنسان أن يكون أداة في يد قاتله.”

لقد أصبح من الواضح أن الحرب لم تعد تُخاض في الميدان فقط، بل في العقول أيضًا.

الإسلاميون وأعوانهم من قوى الردة وأصحاب الامتيازات ظلّوا يزرعون الجهل في النفوس ليحصدوا الطاعة، ويحشدوا البسطاء بشعاراتٍ جوفاء.

وكلما سقطوا، لجأوا إلى دعايةٍ جديدة تُعيدهم بثوبٍ من “الكرامة المزعومة”، بينما الحقيقة أنهم لا يعرفون من الكرامة سوى الاسم.

إن العدو الحقيقي للسودان ليس في الخارج، بل في الداخل؛ في من جعل الدين مطيّة، والوطن مزرعة، والمواطن وقودًا.

والدولة المصرية التي ظلت تمدّهم بالدعم، إنما تفعل ذلك حفاظًا على نفوذها في السودان لا حبًا له.

لكن الشعوب بدأت تُدرك، ووعيها يتجاوز الآن حدود الخداع الإعلامي، لتسأل بصوتٍ عالٍ: من المستفيد من هذه الحرب؟ ومن الذي يخاف من السلام؟

ختامًا، إن ما يُسمّى “حرب الكرامة” ليست سوى وهمٍ كبيرٍ يُباع للشعب بثمن الدم.

فالكرامة الحقيقية ليست صراخًا في ساحة المعركة، بل شجاعة أن تقول “كفى”.

حين يدرك السودانيون ذلك، سيسقط السلاح من تلقاء نفسه، وسينهض الوطن من بين الركام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!