
د.أحمد التيجاني سيد أحمد
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
الحرب لم تكن يومًا حاسمة كما يظن الناس. ليس في تاريخ البشرية حرب انتهت حسمًا نهائيًا. قد تتوقف لسنوات، أو لمئات السنين، وربما لآلاف السنين، لكنها تعود دائمًا في شكل آخر.
حتى حرب داحس والغبراء التي نظنها قصة من الماضي، إذا تأملناها جيدًا نجد أنها لم تختفِ، بل عادت بأشكال أخرى في صراعات القبائل العربية وسواهم والسلطة والثأر. الحروب لا تموت؛ إنها تتبدل في الأسماء والوجوه.
انظر إلى ما نسميه الحروب الحديثة. كثير من الأمم التي خرجت من تحت طبقات التخلف والعنف البدائي لم تفعل سوى أن نقلت صراعاتها إلى مستوى أكبر. الفايكنج في شمال أوروبا، الروس في اتساعهم الإمبراطوري، والصين التي فضلت أحيانًا ابتلاع التعدد الإثني داخلها كما يبتلع الكوبرا فريسته.
زرت الصين عدة مرات، ورأيت بقايا ما قيل لي إنه نسل الإمبراطور العظيم: حفنة من الناس يعدّون على الأصابع، يعملون في خدمة السياح، يقدمون صورًا تاريخية وموائد رمزية. وفي المقابل كانت الدولة تسعى إلى صهر كل تنوع إثني: التبت، الأويغور، الهوي وغيرهم.
وفي روسيا ما تزال الحروب مع الأقليات تتكرر: الشيشان، التتار، البشكير، الإنغوش… سلسلة طويلة من الصراعات التي لا تنتهي. و عن امريكا اللاتينية فحدث و لا حرج.
أما الذين يصرون على أننا في السودان عرب، وأن تاريخ العرب واحد لا ينكسر، فلديهم أيضًا حروبهم التي لا تنتهي. ليست داحس والغبراء سوى واحدة منها.
قبل سنوات، في بدايات الربع الخالي قرب ما يسمونه قبر هود، في حضرموت رأيت بوابات صخرية وسط الرمال. قيل لي إنها بقايا عاد وثمود. لا أدري إن كانوا قد أفنوا تمامًا أم أنهم تلبسوا بوجوه قبائل الجزيرة العربية التي لا تزال تعيش في أتون حروب لم تنته.
أنا نفسي مررت بأطراف تلك الحروب. حضرت حرب العراق، وشهدت قصف الأمريكيين لليبيا. وكدت أُقتل في كويتا الباكستانية قرب حدود أفغانستان.
وفي زمن سطوة طالبان، انطلقت بسيارة افغاني مأفون من كابول عبر مضيق جبلي تتدلى فوقه مدافع الأر بي جي نحو هلمند وقندهار. كان الطريق كأنه ممر بين زمنين: زمن الحرب وزمن انتظار حرب أخرى.
كل هذه العوالم تعيش في حروب لا تنتهي، بينما نحن نعدها بالأيام والسنين كأنها أحداث عابرة.
وفي بلدي النوبي المضطهد ممن ظنونهم انهم سادة خلص (و هم كما نقول في السودان لحم راس) زرت المدنيةً الأثرية الدفوفة في ضواحي مدينة كرمة التي اكتشفها العالم السويسري شارل بونيه من خلال بحث مضني طال ٣٩ عاما . وجدت اثار الدفوفة لمدينة منتظمة فيها طرقات ومراحيض ونظام لتقويم الوقت هذه المدينة التي يبلغ عمرها عشرة آلاف عاما تمثل حضارة كاملة سبقت كثيرًا من ضجيج التاريخ الذي نفاخر به اليوم.
ونحن نذكر بإعجاب رحلة أوائل المسلمين إلى النجاشي في الحبشة. لكن قلة منا تتأمل السؤال الأعمق: لماذا نزل الإسلام على نبي أمي بين قوم أكثرهم أميون؟
ما الذي منح تلك الجماعات الصغيرة الفقيرة القدرة على أن تخرج من جزيرتها لتغير العالم من فارس إلى الأندلس؟
بل إنني رأيت صورًا لحروبهم منقوشة في تماثيل قديمة في لاوس قرب حدود فيتنام.
أحيانًا يخطر لي سؤال آخر: هل خلق الله آدم – الذي علمه الأسماء كلها – وحواء الغاوية لكي ينتشر نسلهم من ضفاف النيل الأزرق إلى أقاصي هذه الكرة الأرضية وليعيشوا في هذا الدوران الأبدي من الحرب والسلم و النجاة؟
ثم نعود نحن في ما تبقى لنا من الأرض لنحتفل بولي أو شيخ أو مصلح كأننا وجدنا أخيرًا منقذ البشرية.وفينا من يعتقد بان يونس ود الدكبن نشر الإسلام و سط الالاف من الفير مختونين. و لا تمر ذكري الدكتور حسن الترابي و رفقته حين اتي ذكري موته في سرير صغير في غرفة صغيرة بعد ان أدار له صفوته و تلاميذه ظهر المجن !
وأتذكر حكاية من صباي في عطبرة.
دخلنا يومًا سينما كلوزيوم لنشاهد فيلمًا أمريكيًا اسمه دجانغو. كانت مقاعد التلاميذ والفقراء في صالة تسمى “الشعب”: مقاعد حديدية مثبتة في الأرض حتي لا يستطيع احد استخدامها في الشجار الذي ينشاء بين المشاهدين
خلال الفيلم كاد الخائن أن يقضي على البطل، فاشتعلت مشاجرة حقيقية بين المشاهدين: أنصار البطل ضد إدارة السينما التي ظنوا أنها ستخيب آمالهم.
وأخيرًا صعد رجل أمام الشاشة وقال:
“يا جماعة، رجاء الهدوء… أنا شفت الفيلم ده امبارح. البطل حينتصر.”
فهدأت النفوس. أخذ كل واحد سفة صعوط، وجلسوا مطمئنين ينتظرون النهاية.
فيا صديقي أمير البحير… هل نحن الآن في اليوم السابع من الحرب، أم في يوم لا نعرف متى ينتهي؟
محبتي.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس
٦ مارس ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com




