رأي

إستراتيجية إعلامية واضحة لدعم مشروع تأسيس الدولة السودانية

سهيبه مريش

 

 سهيبه مريش

يمضي مشروع تأسيس الدولة السودانية في مسار تاريخي بالغ الأهمية، تحفه تحديات سياسية واجتماعية وإعلامية معقدة تتطلب تضافر الجهود الوطنية وتوحيد الرؤية لبناء دولة تقوم على قيم الحرية والعدالة والديمقراطية والمواطنة المتساوية. وفي خضم هذه التحولات العميقة، يبرز الإعلام بوصفه أحد أهم أدوات تشكيل الوعي العام وتوجيه النقاش الوطني، الأمر الذي يجعل من إصلاحه وتطويره ضرورة إستراتيجية لا يمكن تجاوزها.

غير أن الواقع يكشف عن وجود ضعف واضح في البنية الإعلامية الحالية، وهو ضعف تراكم عبر سنوات طويلة من التهميش المؤسسي والتوجيه السياسي الذي أفقد كثيراً من المؤسسات الإعلامية استقلاليتها ومهنيتها. وقد انعكس ذلك في محدودية الكوادر المؤهلة، وغياب الرؤية الإستراتيجية الواضحة، إضافة إلى ميل بعض المنصات الإعلامية إلى الانشغال بالصراعات السياسية الضيقة بدلاً من الانحياز إلى القضايا الوطنية الكبرى.

وفي ظل التحديات التي تواجه مشروع تأسيس الدولة السودانية، يصبح من الضروري الانتقال من حالة المعالجة الآنية وردود الأفعال إلى بناء إستراتيجية إعلامية وطنية واضحة المعالم، تجعل الإعلام شريكاً فاعلاً في عملية التحول، وقادراً على بناء وعي جمعي مستنير يدعم مسار الإصلاح الشامل.

وتتمثل أبرز التحديات في ما يمكن وصفه بـ”حرب المعلومات”، حيث تنشط منصات إعلامية مضللة تعمل بشكل منهجي على نشر الشائعات وتشويه الحقائق وتأجيج الانقسامات الاجتماعية والجهوية، في محاولة لإرباك الرأي العام وإضعاف الثقة في مسارات التحول. وتستخدم هذه المنصات تقنيات إعلامية متطورة تعتمد على التضخيم العاطفي والتلاعب بالذاكرة الجمعية، الأمر الذي يفرض تحدياً كبيراً أمام الإعلام المهني الذي يسعى إلى ترسيخ قيم الحقيقة والشفافية.

ولمواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة للمنظومة الإعلامية وفق رؤية حديثة تقوم على التخطيط الإستراتيجي والاحترافية المهنية. ويجب أن تنطلق هذه الرؤية من إدراك أن الإعلام ليس مجرد أداة للتعبئة أو الدعاية، بل هو قطاع حيوي يشكل أحد أعمدة أي مشروع وطني للتحول وبناء الدولة.

وتتطلب هذه الإستراتيجية وضع برامج طموحة لتأهيل الكوادر الإعلامية وتطوير مهاراتها في مجالات الصحافة الاستقصائية، وتحليل البيانات، وإدارة الأزمات الإعلامية، إضافة إلى إتقان أدوات الإعلام الرقمي الذي أصبح الساحة الأكثر تأثيراً في تشكيل الرأي العام. إن الاستثمار في العنصر البشري يمثل الركيزة الأساسية لأي إصلاح إعلامي جاد.

كما أن التشبيك الإستراتيجي مع المؤسسات الإعلامية الإقليمية والدولية يشكل عنصراً مهماً في تعزيز حضور مشروع تأسيس الدولة السودانية في الفضاء الإعلامي العالمي. فالمشروع بحاجة إلى خطاب إعلامي موثوق قادر على نقل روايته الحقيقية إلى الخارج بلغة مهنية متوازنة، بعيدة عن السرديات المشوهة التي قد تسعى بعض الأطراف إلى ترويجها.

وفي هذا السياق، يصبح التخصص في العمل الإعلامي ضرورة لا غنى عنها. فالإعلام الحديث يعتمد على فرق متخصصة في مجالات الإعلام الرقمي، والدبلوماسية الإعلامية، ومكافحة الأخبار الزائفة، والإعلام الاقتصادي والتنموي. هذا التخصص يضمن عمق التحليل وجودة المحتوى، ويعزز مصداقية المؤسسات الإعلامية أمام الجمهور المحلي والدولي.

إن نجاح مشروع تأسيس الدولة السودانية لا يعتمد فقط على التحولات السياسية والمؤسسية، بل يرتبط كذلك بوجود منظومة إعلامية قوية قادرة على مواكبة التحولات، ونقل الحقائق بموضوعية، وتعزيز ثقافة الحوار والمسؤولية الوطنية.

وفي الختام، فإن ضعف الإعلام في هذه المرحلة يمثل تحدياً حقيقياً أمام مسار التحول، غير أن تجاوزه ممكن عبر بناء إستراتيجية إعلامية واضحة تقوم على التدريب المتخصص، والتخطيط المؤسسي، والتشبيك الفعال مع العالم، وترسيخ قيم الاحترافية والاستقلالية. وعندما يتمكن الإعلام من ترتيب أمره وفق هذه الرؤية، فإنه سيصبح قوة داعمة لمشروع تأسيس الدولة السودانية، وشريكاً أساسياً في بناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!