رأي

حول اللحظة الجيوسياسية الراهنة والحاجة إلى وضوح استراتيجي

د. تيسير مصطفى

 

 د. تيسير مصطفى

يمرّ العالم حاليًا بلحظة جيوسياسية دقيقة تتطلب وضوحًا في الرؤية وصدقًا فكريًا. فهذه ليست لحظة تحتمل الغموض، أو ردود الفعل العاطفية، أو انتشار نظريات المؤامرة او الرماديه . إنها لحظة تستدعي تفكيرًا براغماتيًا، وقراءة رصينة للتاريخ، والشجاعة لمواجهة الواقع كما هو.

لقد تطورت المجتمعات البشرية تاريخيًا عبر مراحل مختلفة شكّلت أنظمتها السياسية ومؤسساتها وعقليتها الجماعية. ويمكن وصف هذه المراحل بصورة عامة على النحو التالي:

1. عصر العقيده أو العصر الديني

في هذه المرحلة كانت الشرعية السياسية والسلطة تُستمد في الغالب من العقيدة الدينية وأنظمة الإيمان.

2. عصر التنافس بين الدول

وهو العصر الذي شهد صعود الممالك ولاحقًا الدول القومية، حيث شكّل التنافس الجيوسياسي والسعي إلى القوة جوهر العلاقات الدولية.

3. عصر التعاون

وهو العصر الذي ظهرت فيه المؤسسات الدولية والمنظمات متعددة الأطراف بهدف معالجة التحديات العالمية بصورة جماعية.

4. عصر الشبكات

وهو العصر الذي نعيش فيه اليوم، والمتميز بالتحولات التكنولوجية، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة البلوك تشين، والاتصال العالمي، والاقتصادات القائمة على المعرفة.

إلا أن أحد أبرز مصادر التوتر في صراعات اليوم يتمثل في أن بعض الأنظمة السياسية ما تزال تعمل بعقلية تعود إلى عصور تاريخية سابقة، بينما تستخدم في الوقت ذاته التقنيات المتقدمة للعالم الحديث.

هذا التناقض يخلق حالة من عدم الاستقرار.

ويمثل النظام الإيراني مثالًا واضحًا على هذه الديناميكية. فمن الناحية الأيديولوجية، ما يزال متجذرًا في إطار سياسي-ديني يسعى إلى توسيع نفوذه خارج حدوده. وفي الوقت ذاته، يعمل بنشاط على تطوير قدرات عسكرية حديثة، بما في ذلك التقنيات النووية.

ولأكثر من أربعة عقود، عبّرت القيادة الإيرانية علنًا عن عدائها للولايات المتحدة وإسرائيل. وهذه ليست مسألة تفسير، بل عنصر موثق وثابت في خطابها السياسي.

وعندما يقترب نظام يحمل مثل هذا الإطار الأيديولوجي من عتبة القدرة النووية، فإنه ليس أمرًا مفاجئًا ولا غير عقلاني أن تتحرك قوى عالمية أخرى لمنع اكتمال مثل هذا البرنامج.

فالقضية لا تتعلق بالتكنولوجيا النووية بحد ذاتها فحسب، بل يكمن القلق الأعمق في التوجه الأيديولوجي للنظام الذي سيسيطر على مثل هذه الأسلحة.

إن نظامًا سياسيًا يروج للتوسع الأيديولوجي ويمارس مستويات كبيرة من القمع الداخلي يثير مخاوف عالمية مشروعة عندما يسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل.

وقد أظهر التاريخ مرارًا أن المجتمع الدولي لا يستطيع تحمّل التراخي الاستراتيجي في مثل هذه الظروف.

فمثل هذه اللحظات تتطلب تعاونًا دوليًا وقيادة حاسمة لمنع ظهور هياكل قوة غير مستقرة قد تهدد الأمن الإقليمي والعالمي.

هذه ليست لحظة للحياد.

فالوقوف على الحياد في اللحظات التاريخية المفصلية غالبًا ما يؤدي إلى عواقب أخطر بكثير من اتخاذ موقف مبدئي واستراتيجي واضح.

اليوم يواجه العالم تباينًا استراتيجيًا واضحًا:

من جهة، هناك أنظمة تعتمد على السيطرة الأيديولوجية، والقمع الداخلي، وتوظيف الدين كأداة للسلطة السياسية.

ومن جهة أخرى، هناك أنظمة تسعى إلى الاستقرار، والتعاون الدولي، والتقدم التكنولوجي، والتنمية الاقتصادية، والتعايش السلمي.

إن القرار بشأن أي طريق ينبغي دعمه لا يتعلق بالتفضيلات العاطفية أو الولاءات السياسية، بل يتعلق بمسار النظام العالمي في المستقبل.

أما من جانبي، فأنا أقف مع القوى التي تدعو إلى التعاون والتقدم والاستقرار، ومع عالم تحل فيه الابتكارات والتنمية محل المواجهات الأيديولوجية.

فالطريق البديل معروف في صفحات التاريخ، وعواقبه لا تتوافق مع واقع وطموحات القرن الحادي والعشرين.

ستنتهي هذه الحرب، وسيولد شرق أوسط جديد تقدمي، مستعد للانخراط الكامل في عصر الشبكات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!