
حسن النعمان
التصوف في السودان لم يكن يومًا مشكلة. بل كان أحد أنقى مظاهر التدين الشعبي؛ طريقًا للذكر والمحبة والتزكية، ومدرسة تربت فيها أجيال على حب رسول الله ﷺ حبًا صادقًا لا تشوبه شبهة ولا رياء.
لكن المأساة أن هذا الحب الصافي أصبح بابًا واسعًا للاستغلال.
ففي الوقت الذي كان يفترض أن يكون فيه الشيخ مرشدًا ومربيًا، تسلّل إلى الطرق الصوفية من حوّلها إلى تجارة، ومن جعل من العمامة سلّمًا للنفوذ، ومن جعل من القبة مشروعًا للهيبة والمال.
هؤلاء صنعوا حول أنفسهم هالة من القداسة، ونسجوا القصص والأساطير ليُقنعوا البسطاء أنهم أولياء خارقون.
فتسمع حكايات لا يقبلها عقل: شيخ ضرب تمساحًا فتحول إلى حجر، وآخر يفعل ما لا يفعله بشر، وقصص من نوع “ود تكتوك” وغيرها من الخرافات التي تُروى حتى تصبح في عقول المريدين حقائق لا تُناقش.
وهكذا يتحول الشيخ إلى شخصية فوق النقد، ويصبح المريد مجرد تابع يصدق كل ما يُقال له.
ومن هنا تبدأ التجارة:
زيارات للتبرك، أموال تُدفع طلبًا للشفاء، نذور من أجل الولادة أو الرزق، وكرامات تُباع للناس في سوق الجهل باسم الدين.
ثم جاءت الضربة الأكبر خلال الثلاثين عامًا الماضية، عندما فهمت الحركة الإسلامية (الكيزان) خطورة وتأثير الطرق الصوفية على المجتمع السوداني، فعملت على اختراقها واستمالة كثير من رجالها. فأصبحت بعض الطرق جزءًا من لعبة السلطة، تُستعمل لتزيين الباطل وتثبيت النفوذ.
ومع ذلك، لا بد من قول الحقيقة كاملة:
ليست الصوفية هي المشكلة، بل المشكلة في الجهل الذي يستغله البعض، وفي التقديس الأعمى الذي يحوّل المشايخ إلى أصنام جديدة.
فلو استيقظ وعي المريدين قليلًا، لسقط كثير من الدجالين الذين يختبئون خلف القباب والعمائم.
سيبقى التصوف في السودان نقيًا ما دام قائمًا على الذكر والمحبة والتواضع.
أما حين يتحول إلى تجارة للنفوذ والمال… فذلك ليس تصوفًا، بل خدعة كبرى.
حسن النعمان 8مارس 2026
alnouman0153@gmail.com




