رأي

بين حماية المجتمع وفرض الردع: لماذا تحتاج حكومة التأسيس إلى موقف حاسم في مواجهة الاستهداف الممنهج؟

سهيبه مريش

 

سهيبه مريش

يمر السودان اليوم بمرحلة شديدة الحساسية في تاريخه المعاصر، حيث لم يعد النزاع الدائر مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل تحول إلى صراع واسع تتداخل فيه الأبعاد السياسية والاجتماعية والإنسانية. ومع اتساع رقعة الحرب، برزت أنماط من الاستهداف طالت المجتمعات المدنية والبنى التحتية في مناطق عانت تاريخياً من التهميش، وعلى رأسها إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، الأمر الذي ألقى بظلال ثقيلة على مستقبل الاستقرار في البلاد.

لقد أظهرت تطورات الميدان خلال الفترة الماضية أن طبيعة الحرب لم تعد تقليدية، إذ تتكرر الهجمات التي تستهدف الأسواق والمناطق المأهولة بالسكان، إلى جانب تدمير المرافق الحيوية التي يعتمد عليها المدنيون في حياتهم اليومية. هذا النمط من الاستهداف لا يترك فقط آثاراً مادية مدمرة، بل يخلّف أيضاً تداعيات نفسية واجتماعية عميقة لدى المجتمعات المحلية، التي تجد نفسها عالقة بين أتون الحرب ومحدودية القدرة على الحماية.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز مسؤولية حكومة السودان الجديدة، المعروفة بـ حكومة التأسيس بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، باعتبارها الجهة التي يقع على عاتقها واجب حماية المدنيين وصون ما تبقى من مقومات الحياة في المناطق المتأثرة بالنزاع. فالدولة، في جوهرها، تقوم على ضمان الأمن للمواطنين، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح للمجتمع بالاستمرار.

إن الاكتفاء بالإدانات السياسية أو البيانات الرسمية لم يعد كافياً في مواجهة واقع يتسم بتصاعد العنف وتكرار الهجمات على المدنيين. فالمجتمعات المتضررة لا تحتاج فقط إلى كلمات التضامن، بل إلى سياسات واضحة وإجراءات عملية تعزز قدرتها على الصمود وتمنع تكرار الاعتداءات التي تهدد أمنها ومعيشتها.

ومن هنا تبرز أهمية تبني مقاربة شاملة تجمع بين الردع الأمني الفعال والعمل السياسي والدبلوماسي. فعلى المستوى الميداني، يتطلب الأمر تعزيز القدرات الدفاعية وحماية المراكز الحيوية والأسواق والمناطق السكنية، إلى جانب العمل على تقليص قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ الهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية.

أما على الصعيد السياسي، فإن تحقيق الاستقرار لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الوسائل العسكرية، بل يتطلب أيضاً معالجة جذور الأزمة التي غذت الصراع لعقود طويلة، بما في ذلك التهميش التنموي والاختلالات السياسية التي عمّقت الشعور بعدم العدالة في العديد من مناطق البلاد.

ولا يمكن تجاهل البعد الدولي في هذه الأزمة. فالمجتمع الدولي، رغم إدراكه لحجم الكارثة الإنسانية في السودان، لم يتمكن حتى الآن من بلورة استجابة فعالة قادرة على وقف دائرة العنف المتصاعدة. إن استمرار هذا الصمت النسبي يفاقم معاناة المدنيين ويترك المجتمعات المتضررة أمام واقع بالغ القسوة.

إن اللحظة الراهنة تتطلب قيادة سياسية قادرة على اتخاذ قرارات صعبة ومسؤولة في آن واحد. فحماية المواطنين والحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة والبنية التحتية ليست مجرد خيارات سياسية، بل هي واجب وطني لا يحتمل التأجيل.

وفي النهاية، فإن مستقبل السودان سيُقاس بقدرته على تجاوز هذه المرحلة العصيبة وبناء دولة قادرة على حماية مواطنيها في كل الأقاليم دون استثناء. إن التحدي الأكبر أمام حكومة التأسيس ليس فقط إدارة الحرب، بل وضع الأسس لسلام مستدام يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!