رأي

دولة 56… مسخ استعماري في ثوب وطني

نجم الدين دريسة

منذ خروج المستعمر الأجنبي في عام 1956، ظنّ السودانيون أنهم دخلوا مرحلة التحرر الوطني، لكن ما حدث لم يكن إلا إعادة إنتاجٍ أبشع للاستعمار نفسه، بل بصيغة محلية أشد قسوة ودموية. دولة ما بعد الاستعمار التي وُلدت عام 56 لم تكن دولة للشعوب السودانية، بل كانت دولة نخبة استعمارية باطشة، احتكرت السلطة والثروة، ووجهت عنفها وقمعها ضد مجتمعات الهامش التي دفعت ولا تزال تدفع أثمانًا باهظة من الدماء والدمار.

هذه الدولة مارست كل أشكال الاستبداد: مركزية خانقة، قهر منظم، إقصاء للثقافات والهويات، وفساد متجذر جعلها مجرد أداة نهب منظم. والأسوأ أن هذه الدويلة المرتهنة ارتبطت منذ نشأتها بجارة السوء مصر، التي لم تتوقف يومًا عن التدخل في الشأن السوداني، صناعة الفتن، وتغذية الأزمات. مصر الرسمية لم ترَ في السودان سوى مخزن موارد رخيص: مياه النيل، الأراضي، الثروات، وحتى الدماء السودانية.

لقد استخدمت مصر الجيش السوداني كمخلب قط لتأمين مصالحها، فكان هذا الجيش الحارس الوفي لامتيازاتها، لا حارسًا لكرامة الشعب السوداني. من الجزيرة أبا إلى ود نوباوي، وصولًا إلى حرب 15 أبريل 2023، ظهر السلاح المصري بشكل فجّ: الطيران يقصف المدن، يقتل الأبرياء، يهدم المنازل، ويدمر البنى التحتية، حتى باستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا. إن هذا التحالف الدموي جعل من الجيش مؤسسة مرتهنة بالكامل لمصر، غير قادرة على الانفكاك من قبضتها، وبذلك استمرت عمليات اغتصاب الأراضي ونهب الموارد، في مقدمتها مياه النيل.

الحقيقة الصارخة أن دولة 56 ليست سوى “مسخ مشوّه” لا يعبر عن الشعوب السودانية، بل يقف ضدها. هي دولة غير مؤهلة أخلاقيًا ولا سياسيًا للبقاء، ودفاع البعض عنها لا يعني سوى إعادة إنتاج الظلم والاستبداد. كل مؤسساتها العسكرية غير قابلة للإصلاح، بل يجب تحطيمها من جذورها، وكذلك مؤسساتها المدنية التي تشربت عقلية الفساد والإقصاء.

إن بقاء هذه الدويلة يعني بقاء الذل والهوان، لذلك فإن الحل الجذري يكمن في تأسيس دولة سودانية جديدة، دولة تقوم على أسس الحرية والسلام والعدالة، دولة تعيد تعريف نفسها وفق المواطنة المتساوية، وتبني عقدًا اجتماعيًا جديدًا يتجاوز الأكاذيب والسرديات المزيفة التي صاغتها دولة 56 لخدمة مشروعها الاستعماري الداخلي والخارجي.

هذه المهمة ليست ترفًا، بل هي واجب تاريخي على الشعوب السودانية إذا أرادت أن تتحرر من أسر هذه الدولة البغيضة، وأن تفتح باب المستقبل أمام دولة المواطنة والكرامة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!