
عابدة مختار
منذ اندلاع حرب أبريل في السودان، تعيش البلاد واحدة من أكثر مراحلها قسوة وتعقيداً، حيث تحوّل الصراع العسكري إلى معاناة يومية يدفع ثمنها المواطن البسيط. فالحروب، مهما كانت مبرراتها السياسية أو العسكرية، تظل أكثر قسوة حين تمتد آثارها إلى المدنيين العزل الذين يجدون أنفسهم في قلب المواجهة دون أن يكون لهم أي دور فيها.
لقد شهدت عدة مدن سودانية خلال هذه الحرب مستويات عالية من العنف، استخدمت فيها أسلحة متطورة وقوة نارية كثيفة، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وتدمير واسع للبنية التحتية. ومع تصاعد العمليات العسكرية، أصبحت الأسواق والمستشفيات ومصادر المياه ومناطق تجمع المدنيين عرضة للقصف، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية ودفع آلاف الأسر إلى النزوح بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.
إن استمرار العمليات العسكرية بهذه الوتيرة يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الاستقرار في السودان، خاصة في ظل الانقسام الحاد وتراجع الثقة بين أطراف الصراع. فالشعب السوداني الذي عانى طويلاً من الحروب والأزمات السياسية يتطلع اليوم إلى وقف دوامة العنف والبحث عن حلول تعيد للبلاد قدرًا من الاستقرار والطمأنينة.
لقد أثبتت التجارب أن اللجوء إلى القوة وحدها لا يمكن أن يشكل حلاً دائماً للأزمات الوطنية المعقدة، بل قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات وإطالة أمد الصراع. لذلك فإن حماية المدنيين يجب أن تكون أولوية قصوى لأي طرف يحمل السلاح، كما أن الالتزام بالقانون الدولي الإنساني واحترام حياة الأبرياء يمثلان الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية والسياسية.
إن معاناة المواطنين الذين اضطروا إلى ترك منازلهم والهروب من مناطق القتال تكشف بوضوح حجم الكلفة الإنسانية للحرب. فالكثير من الأسر فقدت مصادر رزقها، وتعرضت مجتمعات كاملة للتفكك بسبب النزوح المستمر وانعدام الخدمات الأساسية.
ومن هنا، فإن الطريق نحو مستقبل أكثر أمناً لا يمكن أن يتحقق إلا عبر وقف الحرب وفتح الباب أمام حلول سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية. فالسودان بلد غني بتنوعه وتاريخه، ويستحق شعبه أن يعيش في ظل دولة تحمي مواطنيها وتضمن لهم الكرامة والاستقرار.
إن إنهاء معاناة السودانيين يبدأ بإعلاء صوت الحكمة، وتغليب مصلحة الوطن على الحسابات الضيقة، والعمل الجاد من أجل سلام دائم يضع حداً لدائرة العنف ويفتح الطريق لبناء دولة يسودها العدل والكرامة لجميع أبنائها.


