
سهيبه مريش
يمر السودان بمرحلة مفصلية وحاسمة في تاريخه الحديث، تتسم بصراع مسلح طاحن أعاد تشكيل الخارطة السياسية والأمنية للبلاد. وفي ظل هذه التطورات، اكتسبت الساحة الدولية أهمية قصوى، خاصة فيما يتعلق بتصنيفات الجهات الفاعلة في هذا الصراع. إن فرحة البعض بتصنيف كيانات معينة، مثل ما يشار إليه بـ كيزان السودان وكتائبهم كمنظمات إرهابية، تعكس عمق الاستقطاب والانقسام السياسي القائم. إلا أن هذه الفرحة يجب أن تكون محفزًا لعمل دبلوماسي واستراتيجي مكثف، يهدف إلى موازنة هذه التصنيفات والعمل بجدية مع الإدارة الأمريكية وغيرها من القوى الدولية المؤثرة لإبراز الجوانب التي تظهر تعاون أحد الأطراف الرئيسية، وهو قوات الدعم السريع، مع المجتمع الدولي.
إن التحول في التصور الدولي تجاه أطراف النزاع يتطلب استراتيجية مزدوجة: الأولى تتمثل في استيعاب تداعيات التصنيفات السلبية، والثانية تتمثل في تقديم أدلة ملموسة على الالتزام بالمسار السلمي والتفاوضي. وفي هذا السياق، يبرز موقف قوات الدعم السريع، الذي يستوجب العمل المكثف لإقناع الإدارة الأمريكية بأن هذا الطرف متعاون مع المجتمع الدولي. ويتمثل الدليل الأبرز على هذا التعاون في عدم رفضه لأي لجان تحقيق دولية ترغب في زيارة مناطق سيطرته للتحقق من الوضع على الأرض. هذا الانفتاح، وإن كان شكليًا أو جزئيًا في بعض الأحيان، يمثل نقطة قوة تفاوضية يجب استثمارها ببراعة.
إن قبول الدعوات أو المقترحات التي تهدف إلى التحقيق والمراقبة الدولية يرسل رسالة واضحة مفادها وجود استعداد للشفافية، وهو ما يتعارض غالبًا مع الصورة النمطية التي تُرسخ للتنظيمات أو القوات التي تتجنب المراجعة الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، فإن حضور ممثلي الدعم السريع في كافة منابر التفاوض التي طُرحت، سواء كانت إقليمية أو دولية، يضيف رصيدًا حقيقيًا لموقفه التفاوضي. فالتواجد المستمر على طاولة المفاوضات، حتى لو لم يسفر عن نتائج فورية، يدل على إقرار بأهمية الحلول الدبلوماسية والتزام نسبي بالعملية السياسية.
على الجانب الآخر، من المتوقع أن يستغل الخصوم السياسيون، المشار إليهم بـ الكيزان أية ضربة توجه ضدهم، كالتصنيفات الإرهابية، لحشد الدعم المضاد والتحرك بكل ما أوتوا من قوة لتخفيف وطأة هذه الخسارة السياسية والمعنوية. إن هذه الجهود المضادة قد تأخذ شكل حملات تشويه، أو ضغوط دبلوماسية عبر قنوات أخرى، أو حتى تصعيد ميداني يهدف إلى تغيير موازين القوى قبل أن تترسخ التصنيفات الدولية. لذا، يصبح العمل الاستباقي والمضاد لهذه التحركات أمرًا ضروريًا لضمان عدم تدهور الموقف التفاوضي للجهة التي تسعى لإظهار التعاون.
لتحقيق الإقناع المطلوب لدى واشنطن، لا يكفي مجرد الإشارة إلى عدم رفض لجان التحقيق، بل يجب أن تترافق هذه الإشارة بتحركات ملموسة على الأرض تضمن سلامة هذه اللجان ووصولها إلى المعلومة بغير قيود. إن مصداقية أي ادعاء بالتعاون ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإجراءات الفعلية. على سبيل المثال، إذا كانت هناك اتهامات محددة بانتهاكات في مناطق سيطرة طرف معين، فإن السماح لهذه اللجان بالوصول غير المقيد لتلك المناطق تحديدًا يشكل أقوى دليل على حسن النية والتعاون الفعال مع المجتمع الدولي، وليس مجرد موافقة عامة ومُبهمة.
يتطلب العمل مع كل الجهات ذات الصلة بناء جسور من الثقة. هذا لا يقتصر على الإدارة الأمريكية فحسب، بل يشمل أيضًا المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي، والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان. يجب أن تكون الرسالة موحدة وموجهة عبر قنوات متعددة، تؤكد على أن هناك طرفًا يسعى لإنهاء النزاع عبر المسار التفاوضي ويسعى لإثبات التزامه بالمعايير الدولية، على عكس الأطراف الأخرى التي قد يُنظر إليها على أنها تعرقل الجهود الدولية أو تتشبث بأجندات إقصائية.فصيل الجيش وحلفائهم من حركات الارتزاق وغيرهم
إن التحدي الأكبر يكمن في إقناع صانعي القرار الدوليين بأن التعاون الظاهر في المحافل التفاوضية أو فيما يتعلق بالتحقيقات لا ينفصل عن السلوك الفعلي على أرض الواقع. قد يجادل البعض بأن مجرد الحضور في المفاوضات لا يلغي مسؤولية ارتكاب أعمال تبرر التصنيف. ولذلك، يجب أن يرتكز الجهد الدبلوماسي على تقديم سردية متكاملة تظهر التناقض بين الصورة النمطية التي يحاول الخصوم رسمها، وبين الإجراءات المتخذة فعليًا لإظهار الانفتاح والمرونة السياسية.
باختصار، بينما يمثل التصنيف السلبي لبعض الكيانات ضربة موجعة لخصوم محددين، فإنه يمثل أيضًا فرصة استراتيجية لمن يسعى إلى بناء موطئ قدم إيجابي في الساحة الدولية. إن استثمار مسألة عدم رفض لجان التحقيق والتأكيد على المشاركة الفعالة في مسارات التفاوض، يتطلب عملًا جادًا ومنسقًا مع الإدارة الأمريكية والجهات الدولية الأخرى. لذلك علي حكومة تأسيس تفعيل الديلوماسية العاليه في التعاطي مع هذه الملفات الشائكه لضمإن النجاح في موازنة هذه المواقف المتضاربة هو المفتاح لتحقيق اعتراف دولي يخدم أهداف الاستقرار في السودان، ويحد من تأثير التحركات المضادة المتوقعة من الأطراف التي ترى في هذا التطور نذير شؤم على أجندتها الخاصة.




