
نجم الدين دريسة
الحقيقة لا تُنقذنا… لكن تجاهلها هو ما يقتلنا
في لحظة تختلط فيها الضوضاء بالتحليل، وتتزاحم فيها الروايات حتى تفقد معناها، يبرز كتاب «حصاد الكليبتوقراطية الكتاب الأول: جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية» للأستاذ مجدي ماكن، كواحد من أجرأ وأعمق ما كُتب عن السودان في السنوات الأخيرة. ليس لأنه يضيف معلومة جديدة إلى رفوف المعرفة، بل لأنه يعيد ترتيب الأسئلة نفسها، ويكسر الوهم الذي ظل يحكم فهمنا للأزمة لعقود طويلة.
مجدي ماكن، المحامي والكاتب الصحفي، وأحد أبرز مثقفي الهامش العريض، لا يكتب من موقع المراقب البعيد، بل من داخل التجربة، ومن قلب الأسئلة المؤجلة التي ظلت تتراكم دون إجابات حقيقية. في هذا الكتاب، يذهب أبعد من السائد، متجاوزاً التفسيرات السطحية التي تختزل الأزمة في فساد أشخاص أو سوء إدارة، ليضع أمام القارئ حقيقة أكثر قسوة: أن السودان لا يعاني من أزمة عابرة، بل من بنية متكاملة تعيد إنتاج نفسها مهما تغيرت الوجوه والشعارات.
الكتاب يطرح فكرة مركزية شديدة الجرأة، تتمثل في أن ما جرى ويجري في السودان ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل نمط متكرر تحكمه آلية عميقة أطلق عليها الكاتب «فيروس دولة 1956». هذا المفهوم لا يقف عند حدود المجاز، بل يتجاوز ذلك إلى توصيف دقيق لبنية نفسية-سياسية تجعل حتى من ثاروا ضد النظام، يعيدون إنتاجه دون أن يشعروا. هنا، لا يعود السؤال من يحكم، بل كيف يُعاد إنتاج الحكم ذاته في كل مرة.
ومن هذا المدخل، يعيد الكتاب قراءة لحظة الاستقلال عام 1956، لا بوصفها لحظة تحرر مكتملة، بل كنقطة تأسيس لبنية جديدة من الهيمنة. ما حدث، وفق هذا التحليل، لم يكن خروجاً كاملاً من الاستعمار، بل انتقالاً منظماً للسلطة من المستعمر المباشر إلى وكلائه المحليين. هكذا تشكلت «دولة 56»، التي احتكرت فيها نخبة ضيقة مفاصل الدولة، وسيطرت على الجيش والاقتصاد والقضاء، وأعادت إنتاج نفس منطق السيطرة ولكن بأدوات محلية.
في هذا السياق، يرفض الكتاب التفسير الأخلاقي البسيط للفساد، ويطرح بدلاً عنه مفهوم «الكليبتوقراطية»، حيث يصبح النهب جزءاً من بنية الدولة، لا انحرافاً عنها. الدولة هنا لا تُنهب رغم قوانينها، بل تُنهب عبر قوانينها. العقود، والوظائف، والموارد، كلها تُدار بمنطق الولاء لا الاستحقاق، حتى يتحول الفساد إلى نظام، لا استثناء.
وعلى امتداد هذا التحليل، يكشف الكتاب واحدة من أكثر الحقائق إيلاماً: أن العلاقة بين المركز والهامش لم تكن خللاً طارئاً، بل سياسة مقصودة. الهامش يقدّم الموارد: الذهب، النفط، البشر، بينما يحتكر المركز القرار والعائد. هذه المعادلة، التي استمرت لعقود، لم تنتج فقط تفاوتاً اقتصادياً، بل صنعت شعوراً عميقاً بالظلم، ظل يتراكم حتى انفجر في أشكال متعددة من الصراع.
لكن ذروة جرأة الكتاب تتجلى في إجابته على السؤال الذي ظل يتكرر بلا إجابة: لماذا تفشل الثورات؟ لماذا يسقط نظام ليُولد نظام يشبهه؟ هنا، يقدم مجدي ماكن تفسيراً صادماً، مفاده أن المشكلة ليست في غياب النوايا الطيبة، بل في قوة البنية التي تبتلع الجميع. القائد الذي يصل إلى السلطة، يحمل معه – دون وعي – أدوات النظام الذي حاربه، لأنه لم يعرف نموذجاً آخر للحكم. وهكذا تتحول الثورة من فعل تغيير إلى إعادة إنتاج، ومن أمل إلى دورة جديدة من الخيبة.
ويمتد هذا التحليل عبر خط زمني طويل، يربط بين سقوط السلطان علي دينار عام 1916، والاستقلال، والانقلابات العسكرية، وصعود الحركات المسلحة، وصولاً إلى حرب الخرطوم في أبريل 2023. النتيجة التي يصل إليها الكتاب ليست مفاجئة بقدر ما هي مقلقة: ما حدث لم يكن انفجاراً مفاجئاً، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من التراكم البنيوي. كل محطة في التاريخ لم تكن نهاية، بل تمهيداً لما بعدها.
قوة هذا الكتاب لا تكمن فقط في تحليله، بل في لغته أيضاً؛ لغة تجمع بين الصرامة الفكرية والوضوح، بين العمق والقدرة على الوصول إلى القارئ دون تعقيد متعمد. وهو، في ذلك، ينجح في ما فشلت فيه كثير من الكتابات: أن يكون جسراً بين المعرفة الأكاديمية والوعي العام.
ما يجعل «حصاد الكليبتوقراطية» عملاً استثنائياً هو أنه لا يكتفي بالنقد، بل يفتح أفقاً للتفكير. فهو لا يقدم وصفة جاهزة، لكنه يضع الأساس الضروري لأي تغيير حقيقي: الفهم. الفهم الذي لا يساوم، ولا يجامل، ولا يهرب من مواجهة الذات.
في زمن تتشكل فيه ملامح المستقبل وسط ركام الحاضر، يصبح هذا الكتاب أكثر من مجرد عمل فكري؛ يصبح ضرورة. لأنه يضع أمامنا السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل نريد تغيير الوجوه، أم تغيير القواعد؟ وهل نملك الشجاعة لنفهم، قبل أن نحاول أن نصلح؟
«حصاد الكليبتوقراطية» ليس كتاباً يُقرأ فقط، بل تجربة تُربك القارئ وتدفعه لإعادة النظر في كل ما ظن أنه يعرفه. وربما، في هذا الإرباك تحديداً، تكمن قيمته الحقيقية.




