رأي

النزق والارتباك وهستيريا الاخوان 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

التيارات التي تعيش على خطاب الماضي تفاجئها دائماً صدمة الحاضر

لم تكن ردود الفعل التي أعقبت القرار الدولي الأخير بشأن جماعة الإخوان المسلمين في السودان مجرد مواقف سياسية عابرة، بل بدت أشبه بكاشف دقيق لحالة الارتباك التي تعيشها الدوائر المرتبطة بالحركة الإسلاموية في البلاد. فالتصريحات التي صدرت عن بعض القيادات المدنية والعسكرية المحسوبة على هذا التيار حملت في مضمونها ما يشبه الدفاع المرتبك أكثر مما حملت خطاباً سياسياً متماسكاً، وهو ما جعل كثيراً من المراقبين يرون أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في القرار نفسه بقدر ما تكمن في طريقة قراءته والتعامل معه داخل تلك الأوساط.

فاللافت في مجمل تلك التصريحات أنها جاءت متباينة في اتجاهاتها ومتضاربة في رسائلها، بين من حاول التقليل من أهمية القرار، ومن اختار لغة المواجهة والتحدي، ومن ذهب إلى طرح أفكار صادمة تتعلق بتحالفات دولية أو معادلات إقليمية تتجاوز بكثير حجم اللحظة السياسية الراهنة. هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل عكس في جوهره حالة من التشوش السياسي داخل التيار الذي ظل لسنوات طويلة يتحدث بصوت واحد ويقدم نفسه ككتلة متماسكة في المجال العام.

وفي خضم هذا المشهد، بدا أن بعض القيادات المرتبطة بالحركة الإسلاموية تتعامل مع التطورات الأخيرة بعقلية رد الفعل الانفعالي أكثر من التعامل معها بوصفها تحولات سياسية عميقة تتطلب قراءة هادئة وواقعية. فحين يتحول الخطاب إلى شعارات حادة أو إلى استدعاء معارك أيديولوجية قديمة، فإن ذلك لا يعكس قوة سياسية بقدر ما يكشف ضيق الخيارات المتاحة أمام أصحاب هذا الخطاب.

غير أن المفارقة الأكثر وضوحاً في المشهد السوداني الراهن هي أن القرار الذي أثار هذا القدر من الجدل داخل أوساط الإسلاميين وجد في المقابل ترحيباً واسعاً من أطياف مختلفة في المجتمع السوداني. فقد أعلنت قوى مدنية وسياسية عديدة تأييدها للخطوة، معتبرة أنها تمثل محاولة لإعادة ضبط المشهد السياسي في البلاد وإغلاق الباب أمام استخدام الدين والتنظيمات العقائدية في الصراعات المسلحة.

كما أبدت قطاعات واسعة من المجتمع الأهلي والشعبي ارتياحاً واضحاً للقرار، في إشارة تعكس حجم التحولات التي طرأت على المزاج العام في السودان خلال السنوات الأخيرة. فالتجربة الطويلة مع الحكم المؤدلج والصراعات المرتبطة به تركت أثراً عميقاً في وعي المجتمع، وهو ما جعل كثيرين ينظرون إلى أي خطوة تحد من نفوذ التنظيمات العقائدية المسلحة بوصفها فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر توازناً.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه اللحظة هو أن الترحيب بالقرار لم يقتصر على دائرة سياسية محددة، بل جاء من طيف واسع يمتد من القوى المدنية إلى شخصيات سياسية مستقلة وفعاليات اجتماعية وأهلية. وهذا الاتساع في دائرة التأييد يعكس حقيقة أن النقاش حول دور الحركة الإسلاموية لم يعد مقتصراً على خصومها التقليديين، بل أصبح جزءاً من نقاش وطني أوسع حول مستقبل الدولة السودانية وطبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن يحقق الاستقرار.

وفي المقابل، بدت التصريحات الصادرة عن بعض القيادات المرتبطة بالحركة وكأنها معزولة عن هذا المزاج العام، بل إن بعضها جاء في صيغة دفاعية توحي بأن الخطاب الإسلاموي لم يعد قادراً على مخاطبة المجتمع بالفاعلية نفسها التي كان يمتلكها في مراحل سابقة. فحين يتحول الخطاب السياسي إلى مجرد رد فعل على قرار خارجي، فإن ذلك يكشف في العادة عن غياب المبادرة وفقدان القدرة على صياغة رؤية مستقلة للمستقبل.

وفي سياق متصل، بدأت ملامح ظاهرة أخرى تتشكل بهدوء داخل المشهد السياسي، وهي ما يمكن وصفه بحالات القفز من مركب الحركة الإسلاموية. فقد ظهرت في الأسابيع الأخيرة مواقف وتصريحات لعدد من الشخصيات التي كانت تُحسب في وقت سابق على هذا التيار، لكنها اختارت النأي بنفسها عنه أو اتخاذ مسافة سياسية واضحة منه. هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها السودان، كما لا يمكن اختزالها في مجرد حسابات شخصية، إذ يبدو أنها تعكس إدراكاً متزايداً لدى بعض الفاعلين بأن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة جذرياً عن المراحل السابقة.

إن التحولات السياسية الكبرى غالباً ما تكشف هشاشة البنى التنظيمية التي تبدو في ظاهرها صلبة. وما يحدث اليوم داخل الدوائر المرتبطة بالحركة الإسلاموية في السودان يشبه إلى حد بعيد تلك اللحظات التي يتداخل فيها الارتباك الفكري مع القلق السياسي، فتظهر التناقضات التي كانت مستترة تحت سطح الخطاب الموحد.

ومع ذلك، فإن القراءة الأعمق للمشهد تشير إلى أن ما يجري ليس مجرد أزمة داخل تيار سياسي بعينه، بل هو جزء من عملية إعادة تشكيل أوسع للحياة السياسية في السودان. فالمجتمعات التي تمر بتجارب صراع طويلة غالباً ما تصل إلى نقطة تراجع فيها الأيديولوجيات الصلبة لصالح خطاب أكثر واقعية يركز على بناء الدولة ومؤسساتها.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الجدل الذي أثارته التصريحات الأخيرة لبعض القيادات المرتبطة بالحركة الإسلاموية قد كشف أكثر مما أخفى. فقد أظهر بوضوح أن خطاب المواجهة لم يعد قادراً على فرض نفسه في فضاء سياسي يتغير بسرعة، كما أظهر أن المزاج العام في السودان يتجه تدريجياً نحو البحث عن معادلات جديدة تتجاوز الاستقطابات القديمة.

        وإذا كان التاريخ السياسي للسودان قد شهد فصولاً طويلة من الصراع الأيديولوجي، فإن اللحظة الراهنة تبدو وكأنها تفتح الباب أمام سؤال مختلف تماماً: هل تستطيع القوى السياسية في البلاد أن تتجاوز إرث الانقسامات العقائدية، أم أن ظلال الماضي ستظل تلقي بثقلها على المستقبل؟

الأزمات الكبرى لا تسقط الأفكار فقط، بل تكشف هشاشتها أيضاً

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!