
د.عبدالله محمد ادم كمبالا
مرت ألف يوم وليلة على حرب أبريل ، لكنها لم تكن ليالي من “ألف ليلة وليلة” بالحكايات والسمر، بل كانت ليالي رعب، و دماء، وتشريد، وموت. و في ذكرى هذه المأساة، التي كان من المفترض أن تكون يوماً للحزن والتفكير الجاد في وقف نزيف الوطن، قدمت لنا قيادات الحرب مشهداً من التناقض الصارخ و الانفصال الكامل عن واقع الملايين الذين تطحنهم آلة الحرب التي يوقّعون على استمرارها،ففي مشهد يستفزّ الإنسانية، احتفل أحد شيوخ الضلال بمرور ألف يوم على الحرب، ليس بالدعاء للضحايا أو الدعوة للسلام، بل بكعكة فاخرة مكتوب عليها الرقم “١٠٠٠”، في حفل باذخ يتنافى مع أبسط قيم الدين الذي يدّعيه، ويتناقض تناقضاً صارخاً مع معاناة المشردين و النازحين والثكالى في مخيمات العراء في دول الجوار. إنه نفاق متجسد، حيث يتحول ألم الأمة إلى مناسبة لـتقطيع الكعك و التقاط الصور التذكارية مع علية القوم من السياسيين الفاسدين الذين ساهموا في صنع هذه الكارثة. والأكثر سخرية أن هذا الشيخ كان بالأمس القريب يتهمه صحفيو الحرب بالتعامل مع المليشيا، ليفاجئ الجميع بوجهه الآخر حين دخل الجيش منطقته، مما يطرح علامات استفهام كبيرة عن دوره الحقيقي في لعبة الدجل السياسي القديم المتجدّد.
لكن الكعكة الباهظة ليست إلا جزءاً من صورة التناقض الأوسع، فالقائد العسكري الأعلى، الفريق البرهان، يظهر في مكان آخر من أم درمان ليعلن للناس أن “أياماً قليلة” تفصلهم عن نهاية التمرد! وعود جوفاء تكرر منذ ألف يوم، بينما الواقع على الأرض يصرخ بالحقائق التي تقول: ان كل دارفور تحت سيطرة الخصم، و غرب كردفان كذلك، و أجزاء كبيرة من شمال كردفان، وحصار يطبق على مدن كبرى مثل الأبيض و الدلنج و كادوقلي و الجنود في الحاميات المعزولة يئنون تحت وطأة نقص الإمداد والعتاد، بينما القيادة تهدي الشعب وعوداً كاذبة من على المنصات.
لكن لماذا لا يُسأل الفريق البرهان و جمهور المصفقين من حوله سؤالاً مباشراً و بسيطاً؟ إذا كنتم تقولون إنكم على وشك تحقيق النصر، فكيف تفسرون اتساع رقعة سيطرة الطرف الآخر؟ والأهم: إذا كان بوسعكم عقد اتفاق ناجح ومستقر مع الدعم السريع لإدارة حقول النفط في هجليج – اتفاق تجاري بحت – دون وساطة ودون عراقيل، فلماذا يعجز هذا العقل التفاوضي نفسه عن إبرام اتفاق لوقف إراقة دماء السودانيين؟ أيكون البترول أغلى من الأرواح؟ أيكون استمرار تدفق النفط للخارج أهم من وقف نزيف الأطفال والنساء والشيوخ في الداخل؟
الجواب واضح لمن يريد أن يري، هناك من يستفيد من استمرار الحرب، هناك طبقة من المنتفعين، من السياسيين الفاسدين، و شيوخ الدين المنافقين، و قادة العسكر المتشبثين بالسلطة، وأصحاب الشركات الطفيلية، و جميعهم يجدون في فوضى الحرب غطاءً لتعظيم مكاسبهم، حتى لو كانت على جماجم المواطنين، فالحرب بالنسبة لهم مشروع تجاري، و الضحايا مجرد أرقام في حسابات الربح والخسارة.
لقد كشفت الألف يوم أن القيادة الحالية للجيش – رغم كل شعارات الوطنية و السيادة – عاجزة عن حسم الحرب عسكرياً، و غير جادة في وقفها سلمياً إذا كان الثمن هو تقاسم السلطة و الثروة بشكل حقيقي. كما كشفت أن بعض شيوخ التدين ما هم إلا أدوات في معركة سياسية، يباركون الظلم، و يحتفون بالقتل و يُذهبون وعظهم أدراج الرياح حين يتعلق الأمر بمصالحهم أو بقربهم من مقاعد النفوذ.
إن مشهد “الكعكة” في ذكرى المأساة ليس سوى رمزٍ لعقلية الانفصال والانتهازية التي تحكم الكثير من النخب ،إنه طعن جديد في خاصرة شعب أنهكته الحرب، فالعار لا يكون فقط بفعل القتل، بل أيضاً بالرقص على الجثث و الاحتفال بالأحقاد.
لقد آن الأوان لأن يفيق كل ذي ضمير آن الأوان لكشف هؤلاء جميعاً،من قادة الحرب الذين يبيعون الأوهام، و شيوخ السلطان الذين يبررون الدماء، و المتنفذين الذين يتاجرون بآلام الناس. الشعب السوداني الذي أنجب العظماء وأسس الحضارات، لا يستحق حكاماً يقدمون له “كعكة الموت” بعد ألف يوم من الدمار،ان ما يحتاجه هو سلام عادل، وحكم رشيد، و محاسبة لكل من أسهم في إشعال هذه الحرب أو استمرارها. فإما أن تتوقف آلة الحرب، وإما أن يثور الشعب على كل أصحاب الكعك والبندقية معاً.




