
عمار نجم الدين
وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ
لآتٍ بما لم تستطعهُ الأوائل
لا تحتاج لعبقرية كبيرة في بلد مثل السودان لكي تخدع الناس يكفي أحيانا أن تكون ( مُفتـح ) و تقول الجملة بثقة وسيتكفل الآخرون بالبناء عليها لكن أحيانا تكون القصة أعمق من مجرد خدعة عابرة بل انعكاسا لما يمكن أن نسميه النواقص الذاتية وتضخم الذات حين يظن بعض الناس عن يقين باطل أنهم مالكو الحقيقة الأوحد.
وهنا تظهر المفارقة التي صنعت هذه الحكاية فمحمد جلال هاشم الذي عرفه الناس دكتورا في ( اللغويات ) انتهى به المسار السياسي إلى نكوص واضح على خطابه القديم حتى أصبح في نظر كثيرين أحد الأبواق الأعلى صوتا للإخوان المسلمين بينما يقدم نفسه في الوقت نفسه كصاحب معرفة شاملة لا يحدها تخصص ولا يقف أمامها علم.
وفي السودان تتكرر هذه الظاهرة كثيرا تناسل أجيال من السياسيين الذين يعلمون بكل شيء تقريبا من كرة القدم إلى غناء الحقيبة والمردوم ومن القرارات الداخلية الأمريكية إلى اللوائح الداخلية بوكالة ناسا وكيف يتم تدريب القوات الخاصة الأمريكية وكل ذلك بينما تخصصهم الأكاديمي الحقيقي لا يتجاوز علما واحدا فقط.
وهكذا يبدو أن محمد جلال هاشم ركب الاخوان المسلمين الزوط والزوط عهدنا في السودان ليس مجرد خدعة عابرة بل خدعة يتلقفها الضحية بنفسه ثم يقوم بتزيينها وتلميعها والدفاع عنها وكأنها اكتشاف علمي.
محمد جلال هاشم حسب ما يقال لنا عالم لغويات وهذا علم نحترمه لكن المشكلة في السودان أن بعض الناس إذا أتقنوا علما واحدا فتح الله عليهم باقي العلوم دفعة واحدة اللغويات نعم القانون الدولي طبعا التفاوض السياسي بالتأكيد والمتصوفة يسمون هذا ( الفتوحات ) والفتوحات عندهم ليست دراسة ولا بحثا بل لحظة يظن فيها الإنسان أن السماء فتحت له خزائن المعرفة لكن الفرق بين المتصوفة والسياسة السودانية أن المتصوفة على الأقل يختلون بأنفسهم أولا.
المشكلة بدأت عندما قررت الولايات المتحدة دراسة تصنيف بعض فروع جماعة الاخوان المسلمين كمنظمات إرهابية القرار لم يصدر بعد لكن في السودان لا أحد ينتظر النص نحن نفسر القرار قبل أن يولد وهكذا خرجت النظرية العجيبة لا توجد جماعة اخوان مسلمين في السودان لأن من أسسوها ماتوا وما بقي الآن مجرد أسماء أخرى مؤتمر وطني حركة إسلامية شركات منظمات إذن القرار الأمريكي لا يشمل أحدا وكأن السياسة لعبة أطفال إذا غيرت اسمك اختفيت.
لكن القانون الأمريكي لا يعمل بهذه البراءة فعندما صنفت الولايات المتحدة حماس وحزب الله لم تكتف بالاسم بل شملت الجمعيات المرتبطة والمؤسسات التابعة وشبكات التمويل لأن التنظيم في القانون ليس لافتة على باب بل شبكة كاملة يمكنك تغيير اللافتة كل صباح لكن البيت يبقى هو نفسه.
وهنا نتذكر حكاية قديمة قصة أشعب الأكول الذي قال للأطفال يوما اذهبوا إلى بيت فلان هناك وليمة فركض الأطفال ثم ركض أشعب خلفهم ولما سألوه إلى أين قال إلى الوليمة نسي أنه هو الذي اخترع القصة.
وهكذا تبدو السياسة السودانية أحيانا قيل للاسلاميين إن القرار الأمريكي لا يعنيهم فقفزوا على الجملة وكتبوا عنها وبنوا عليها نظريات ثم بدأت الحكاية تتكرر بثقة حتى خارج دائرتهم تماما مثل أشعب اخترع الوليمة ثم جرى خلفها.
السياسة السودانية مليئة بهذه المفارقات ناس يكتشفون ثغرات في قرار لم يصدر بعد ويشرحون نصا لم يقرأه أحد ويكتبون تحليلات طويلة عن وثيقة لم تولد بعد لكن القرارات الدولية ليست أحاديث ( حميات ) بل نصوص مكتوبة وحين يصدر النص تنتهي القصص وعندها سنعرف شيئا بسيطا هل كان هذا علما أم مجرد بخرة سياسية و شغل ناس ( مفتحين) .




