
بدون زعل عبد الحفيظ مريود
هل تتحرّكُ القوّات، فعلاً، لتحرير دارفور؟
فى الأسبوع الماضى نشرتْ مجموعةُ الأزمات الدوليّة خرائط للسيطرة فى السُّودان، مع إضاءات توضيحيّة. تقولُ بيانات وخرائط مجموعة الأزمات الدّوليّة إنَّ الدّعم السّريع يسيطرُ على 55% من مساحة السُّودان، فيما يسيطرُ الجيش على 40%، وتتقاسمُ مجموعات مسلّحة وقوى محليّة نسبة الـ5% المتبقية. وهي خرائط وبيانات جديرة بالتأمّل.
لماذا؟
لأنَّ أقلاماً صحفيّة وتصريحاتٍ لقيادات فى الجيش والقوى الموالية له، لا زالت – حتّى أمس – تتحدّث عن قرب حسم المعركة عسكريّاً. كتب أحدهم – سأتحاشى ذكر الأسماء، تجنّباً للحرج –: «فيما يقترب الجيش من تحرير كردفان الكبرى…»، فيما كتب آخر، مولع بالأخبار، بأنَّ «المتحرّكات قد بدأت فعليّاً التوجّه لتحرير دارفور». والأكثر جلباً للحيرة، مقال طويل يتحدّث فيه خبير عن «الخطوة الانتحاريّة التى أقدم عليها الدّعم السّريع بخوض معارك فى النّيل الأزرق».
والواضح أنَّ هناك تضليلاً متعمّداً، منهجيّاً، يجرى منذ بدء الحرب. يتمُّ فيه استغلال جهل أغلب السودانيين بجغرافيا بلادهم، وينشط هذه الأيام لتسويق الوهم المطمئن، والقيام بعمليات تخدير كبرى. وذلك بعد نجاح تمرير الوهم الأكبر بأنَّ «المليشيا انتهت، ولم يعد لديها غير بضع سيارات دفع رباعىّ سيتعامل معها الطيران المسيّر»، وذلك فى أعقاب دخول الجيش إلى الجزيرة والخرطوم.
شايف كيف؟
لكنَّ الدفع الأقرب إلى أفواه وعقول البلابسة والموالين لهم، لا سيّما من يجهلون الجغرافيا، سيذهب – بدءاً – إلى أنَّ مجموعة الأزمات الدّوليّة ليست على شيء. لا مصداقية لها، شأن أغلب المنظّمات الدّوليّة والإقليميّة، فقد جرى تسييسها، وهي تعمل على معاداة الإسلام فى السُّودان، وتطمع فى موارده، كدأبهم حيال كلّ حقائق صارعة للأوهام.
منذ دخول الجيش إلى الخرطوم، وانطلاقة موجات «التحرير الكبرى»، لم تستطع قوات الجيش والمليشيات الموالية لها التقدّم فى كردفان. نجحت فى فكّ حصار الأبيّض بالسيطرة على مدينتى أم روابة والرهد. استعادت مدينة بارا مرّتين، وتمّ استردادها منها، وبذلك تكون حصّة الجيش من ولاية شمال كردفان هى: أم روابة، الرهد، الأبيض. وذلك يعنى أنَّ 85% من شمال كردفان تحت سيطرة الدّعم السّريع.
وبحصار كادقلى والدلنج، ومؤخّراً التحرّكات باتّجاه أبوجبيهة، تكون السيطرة على جنوب كردفان محلَّ نظر كبير. ذلك لأنَّ المدن المحاصرة هذه، سيتمُّ تحريرها لصالح الدّعم السّريع، على غرار ما حدث للفاشر وبابنوسة. وبالحساب الدقيق، لأنَّ ولاية غرب كردفان تحت سيطرة الدّعم السّريع بكاملها، فإنَّ جملة مثل «مع اقتراب تحرير كردفان الكبرى…» تكون – فى أحسن الأحوال – جهلاً فادحاً بالجغرافيا، وفى أسوأها تضليلاً قاتلاً.
شايف كيف؟
شمالاً لم يدخل الدّعم السّريع الولاية الشماليّة. كان فى تخوم ولاية نهر النّيل، لكنّه اندحر منها. لكنَّ الخريطة – إذا استطعت أن تبسطها أمامك – ستريك حقيقة صادمة، وهي أنَّ أغلب مساحة الولاية الشماليّة هى صحراء، بالمعنى الحرفى للكلمة. تنحصر الحياة على شريط النّيل، بالضّفتين. وستصدمك الحقيقة المرّة، وهي سيطرة الدّعم السّريع على الصحراء، ابتداءً من المثلّث فى العوينات، وكامل الحدود السّودانيّة الليبيّة، وأغلب الواحات، إلا قليلاً. وذلك يعنى أنَّ الدّعم السّريع يتقاسم السيطرة على الولاية الشماليّة، ولكنّك لا تدرى، فالمثلّث يتبع لمحليّة وادى حلفا، والقعوبات غرب دنقلا إلى أقصى حدود دارفور هى تحت سيطرة الدّعم السّريع.
الحدود مع ليبيا، تشاد، إفريقيا الوسطى، جنوب السُّودان – عدا معبر جودة فى النّيل الأبيض – جميعها تحت سيطرة الدّعم السّريع. وبالسيطرة على مدينة الكُرمك فى النّيل الأزرق، يكون قد شارك فى الحدود السُّودانيّة الإثيوبيّة.
هل تقتربُ المتحرّكاتُ من تحرير دارفور؟
الذى لا يستطيع أن يفرّق بين الجغرافيا والخيال، لا ينبغى أن يتحدّث فى السياسة، أو كما يقول سيّد على أبو آمنة، المثقّف والسياسى البجاوى. يختلف الدّعم السّريع فى تحرّكاته عن الجيش، وتلك ليست معلومة. لكنَّ الذى لا شكّ فيه، وقد ذكرته مراراً، حتّى قبل بدء الحرب، هو أنَّ الصورة النمطيّة للحروب السودانيّة يجب أن تتغيّر. وأنَّ الصورة النمطيّة فى أذهان الكثيرين عن الدّعم السّريع هى الأخرى يجب تغييرها، بصورة أخرى، قابلة للاحتمال والعقلنة. هناك الكثير الذى جرى ويجرى خلال السنوات الثلاث للحرب. ليسوا بضع سيارات دفع رباعى يستطيع الجيش أن يتعامل معها بالطيران المسيّر. تلك حقيقة من الأهميّة بمكان.
شايف كيف؟
فى العام 2005م كنت فى تغطية لزيارة مهمّة لوزير الدولة بوزارة التعاون الدولى، د. برنابا بنجامين، إلى بروكسل. وضمن الزيارات كانت هناك مقابلة مع مجموعة الأزمات الدّوليّة. قامت باحثة بريطانيّة تتبع للمجموعة، عشرينيّة جميلة، بتنوير الوفد. اعترض د. جعفر ميرغنى على المعلومات التى تقدّمها. سأله مدير مجموعة الأزمات الدّوليّة غارث إيفانز، وزير خارجيّة أستراليا الأسبق، عن آخر زيارة له إلى دارفور، فتلعثم الدكتور، إذ لم يزرها. سأله عن تخصّصه، فقال إنّه عالم لغويّات. وعن موقعه الحكومى، فقال إنّه «مدير معهد حضارة السُّودان». مطّ الرجل شفتيه: عالم لغويّات، مدير معهد حضارة السُّودان، لم يزر دارفور فى حياته، فيمَ نتحدّث إذن؟
شايف كيف؟




