رأي

لحظة البحث عن الخلاص

دكتور خالد تارس

 

دكتور خالد تارس

وعندما بدأت الصفعة السياسية في المشهد القائم، خرج الملايين من الناس في الفاشر ونيالا وزالنجي والضعين وكردفان الكبرى للتعبير عن اصواتهم الحُرة، واعلان التأييد الكامل لقرار وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كجماعة (إرهابية). هذه التظاهرات كانت انعكاس عميق لمزاج شعبي متراكم، تشكّل عبر عقود من الصراع والخيبات وليس بالضرورة تعبير عن موقف سياسي معين، وبهذا الصورة الواضحة يصبح القرار الخارجي في بعض الاوقات أشبه بلحظة الخلاص او نداء اللاستغاثة في بحرٍ من الأزمات.!

ان ما جرى في الفاشر ونيالا وغيرها من المدن السودانية لا يمكن قراءته بمعزل عن الجغرافيا السياسية للحرب الدائرة في السودان. فهناك الملايين في مدن سودانية مختلفه لديهم ذات الشعور ويودون الخروج للتعبير عن تأييدهم للقرار الامريكي، لكن ان هذه المناطق تسيطر عليها الكتائب الاخوانية المسلحة وجيش البرهان تقع في فضاء متوتر. ويصبح خروج المحتجين في مدن كالخرطوم وكسلا وكوستي وسنار والقضارف عملاً محفوفًا بالمخاطر، لأن الشارع هناك ليس محايداً بقدر ماهو ساحة مراقبة من قوى مسلحة متشابكة المصالح، من بينها كتائب مرتبطة بالحركة الإسلامية ووحدات من الجيش متحالفة معها سياسياً.

المفارقة اللافتة في تلك المظاهرات لم تكن في حجمها ولا في عدد المحتجين، ولكن في رمزية الشعارات التي رُفعت خلالها. ففي نيالا على سبيل المثال حمل المتظاهرون صوراً للرئيس الأمريكي دونالد ترمب وكتبوا عليها عبارات امتنان باعتبار ان ادارة ترمب اتخذت موقفاً صارماً ضد الإرهاب في السودان، تقابلها صوراً لرئيس الحركة الإسلامية كرتي وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان باعتبارهم لوردات الحرب والمسؤولين عن دوامة العنف والتشظي التي تعصف بالبلاد. هذه الرمزية تكشف تحولًا (عميقًا) في المزاج السياسي لدى قطاع واسع من السودانيين. ومنذ عقود كان الخطاب العام الذي يسوقه اعلام الحركة الاسلامية يميل إلى الحذر الشديد تجاه التدخلات الخارجية ويعكس فيها تهديداً للسيادة الوطنية. أما اليوم، فإن جزءاً عريضاً من الشارع بات ينظر إلى الضغوط الدولية بوصفها أداة لكسر حلقة الإستبداد ومصدر السلطة المغلقة التي هيمنت على الدولة منذ نهاية القرن العشرين.!

وإذا أردنا قراءة هذا التحول، فإن المسألة تتجاوز مجرد تأييد القرار الامريكي إلى ساحة اخرى من الانفتاح الشعوبي المضاد، فالمظاهرات التي خرجت كانت تعبّر بصراحة تامة عن حالة من الإحباط التاريخي (المتراكم) تجاه التجربة السياسية التي حكمت السودان منذ وصول الإسلاميين إلى السلطة في نهاية الثمانينيات. كانت ثلاثة عقود من الظلم والظلام الذي ارتبط في وعي السودانيين بالعقوبات الدولية، والعزلة الاقتصادية، والحروب الداخلية، وانهيار مؤسسات الدولة. هذه التجربة القاسية والطويلة صنعت شعوراً جماعياً بأن البلاد عالقة تماماً في دائرة مغلقة من السلطة الأيديولوجية والعسكرية.

ومن هنا يمكن فهم لماذا بدأ القرار الأمريكي في نظر مؤيديه وكأنه يحمل وزناً أخلاقياً وسياسياً يتجاوز الحدود القانونية. فبالنسبة لكثيرين، لا يُفسر القرار بإعتباره مجرد تصنيف دبلماسي، بل إشارة إلى أن العالم بدأ يعترف بمعاناة السودانيين مع بنية السلطة الباطشة التي حكمتهم لعقود، وفي المقابل يطرح هذا المشهد أسئلة عميقة حول مستقبل السياسة السودانية. وكيف يتغير رمزية القرار الخارجي موازين القوى داخل بلد تتشابك فيه المصالح العسكرية والأيديولوجية، وهل يمكن للشارع أن يحوّل هذه اللحظة الاحتجاجية إلى مشروع سياسي وطني قادر على بناء دولة جديدة، قد نلاحظ أن الإجابة ليست على درجة من التبسيط. فالسودان اليوم يقف على مفترق طرق تاريخي، تتقاطع فيه ثلاثة مسارات متنافسة، مسار العسكر الذين يبحثون عن تثبيت السلطة، ومسار القوى (الأيديولوجية) التي تسعى لاستعادة نفوذها عبر الحرب، ومسار الشارع الذي يحلم بدولة مدنية ديمقراطية. وفي خضم هذا الصراع يصبح أي قراراً صادراً جزءًا لا يتجزأ من معركة الرموز والشرعيات.!

إن ما حدث في شوارع نيالا والفاشر والضعين وزالنجي والفوله من حالة غضب شعبي لا يمكن اختزاله في مظاهرة تأييد للقرار الامريكي فحسب، هو في جوهره رسالة سياسية (بلغية) تكشف إن صبر المجتمع السوداني الطويل على أنماط الهيمنة القديمة قد انتهى، وأهم ما تكشفه هذه اللحظة أن الصراع في السودان لم يعد صراعاً على السلطة بقدر ما هو صراع على معنى الدولة نفسها، وعمى اذا كانت هذه الدولة ستظل أسيرة التحالفات العسكرية والأيديولوجية، أم أنها ستفتح صفحة جديدة تتسع لحلم السودانيين بدولة العدالة والحرية والديمقراطية؟ ذلك السؤال سيحدد شكل السودان في السنوات القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!