إرادة الخلاص ورغبة التحرر “باِتَّباع الطريق الوعر” لجهة تَخَلُّق مٌخاض وطن المستقبل
مهدي عبدالله حامد

مهدي عبدالله حامد
ولئن كان، في محراب التاريخ حيث تتصادم الإرادات وتتشكل الأمم من رماد الأزمات وصعوبات محن الابتلاءات، فها هي الآن تتحرك التحولات في السُّودان وفق صيرورة تاريخية لا تهدأ، تتقاطع فيها التطلعات الكبرى مع العوائق البنيوية المُتجذرة المآسي سنين عددا، فلعل الناظر في سيرورة الأحداث الجارية اليوم، يجد بأن شعب السُّودان يقف أمام مرآة الحقيقة ليعاين وجها أثقلته ندوب جراحات التغيير المتعثر ولكنها لم توقفه بتاتا، الأمر الذي يستوجب علينا جميعا تجاوز هذه العقبة الماثلة أمامنا لأنها تمثل آخر المحطات التي تسبق انبلاج الفجر
بيد أن الظلمة تشتد والدورب تضيق فلا بد ولا سبيل آخر سوى دكها وقبرها، ومع ذلك نجد أنفسنا مضطرين لاستنطاق الذاكرة الجمعية وفك شفرات الأسئلة الحرجة والاسفهامات الحائرة التي ظلت تؤرق الضمير الوطني الرافض لحلول التجزئة ولا يرضى ولا يقبل إلا بهدم المعبد القديم وتشييد صروح الدولة الحديثة
وتبعا لذلك، فإن قراءة المشهد الراهن تفرض علينا إدراك أهمية الحديث عن “إرادة الخلاص” التي هي بالضرورة نداء الوجود في مواجهة الفناء، ولئن كان المرور من هذه المرحلة الدقيقة لا يكون إلا باتباع الدورب الوعرة التي تمثل الخيار الأوحد الذي لا خيار آخر سواه، الأمر الذي يترتب عليه اليقين التام بأن حدوث التغييرات الكبرى لا تتم إلا عبر مخاض عسير يزلزل الأركان ويعيد صياغة العهد الجديد على أسس من صخرة لا من رمال متحركة
وهنا، وبالتحديد يطرح الواقع المأزوم سؤالا جوهريا هل هذه الحرب هي الثمن الحتمي للتأسيس…؟ فـ حريَّ بنا القول بأن الإجابة على هذا التساؤل هي بالتأكيد “بنعم ولكن” لأن الحكمة اليابانية تقول “السيف الذي يمنح الحياة هو نفسه السيف الذي يسلبها” وفي سياقنا هذا “تبدو الحرب وكأنها شر لا بد منه” لأن الأمم التي نالت استقلالها الحقيقي لم تصل إليه عبر ممرات مفروشة بالورود ولكنها وصلت مرادها عبر مخاضات عنيفة هزت أركان النظم القديمة وقادت إلي تفكيك هياكل السلطة التي استعصت على الإصلاح السلمي.
ومع ذلك فإن العقل المستنير يدرك بأن الحرب ليست غاية في حد ذاتها، ولكنها ضرورة للدفاع عن النفس والوجود جراء العدوان الغاشم الذي شنته “عصابة جيش النظام البائد” على السودانيين، ولكنها أختارت العدو الخطأ هي المرة، حيث اصطدمت بالقوات المقاتلة الحقيقية على الأرض التي تخبر دروب الحرب وتجيد فنون القتال وتمتلك البسالة والجسارة مع التحلي بشجاعة المواجهة في ساحات الحرب، مقترنة ومتشابكة مع مشاعل الوعي والاستنارة من قوى الثورة والتغيير في مشهد مهيب ومزيج فريد، قادر على هزيمة شرذمة 1956م بالسيف والقلم، فلا غرو في ذلك، لأن ميثاق التأسيس الجديد ممهور بالدم ومتعاقد عليه بالمبادئ فوق الدستورية والقيم الإنسانية العظيمة، وهذا يعني بالضرورة إنهاء وإلغاء “الامتياز التاريخي” الذي احتكرته فئات محددة، مما أدخلها في الوضع الذي يفسر لماذا تتعالى أصواتها الناعقة في الدفاع عن مواقعها، وببساطة شديدة تأكد لها بأنها أخطأت التقديرات هذه المرة ووقعت في شر أعمالها لأن هذه المعادلة الجديدة مغايرة لكافة معادلات المراحل السابقة جملة وتفصيلا، وهنا يجدر بنا القول، فلا ريب بأن التأسيس الحالي ليس عملية لكتابة الدستور ولا حتى هو مسألة تشكيل حكومة، ولكنهُ هو عملية جراحية لاستئصال الأورام الطبقية والجهوية التي أعاقت نمو جسد الأمة السُّودانية طوال تلك الأزمنة الغابرة.
والأبعد من ذلك، يتمثل في عدم أي إعطاء أي فرصة للحلول أو الحوار مع تمرس على نقض العهود والمواثيق، لأن التجارب أثبتت بأن نخبة مركز السودان القديم ظلت “على الدوام” تستخدم التفاوض كـ نوعا من “المعاندة” في وجه الحلول الجذرية وقد كانت كل عمليات التفاوض السابقة مع سدنة الخرطوم تمثل أداة لترحيل الأزمات وتقاسم “كعكة السلطة” بدلا من إنهاء الصراع السوداني ضمن حالة إنها تشبه ما تحذر منه الحكمة الأفريقية التي تقول “عندما يتصارع فيلان، فإن العشب هو من يتأثر” وفي السودان ظل العشب هو (الشعب) الذي يحترق بينما الفيلة تتفاوض على مساحات النفوذ.
وعليه فإن التفاوض الذي لا يلمس جذور المظالم التاريخية ولا يفكك “الامتياز” هو مجرد استراحة محارب، وتأجيل للمعركة، وبهذا فإننا بحاجة إلى قطع دابر تلك العهود إلي الأبد لأن المصلحة الوطنية هي البوصلة الوحيدة لعملية تخليص الشعوب السُّودانية من هذا العبث كـ ثمن لهذا النضال التاريخي المتراكم للشعب السوداني الذي دفع أثمانا باهظة في سبيله، فهذا التراكم هو الذي يشكل اليوم “إرادة الخلاص” ففي وعي الممالك العربية القديمة، مثل مملكة كندا أو الغساسنة، كان “العهد” هو أقدس ما يملكه الزعيم، وكان الغدر بالمواثيق يعني زوال الملك، فالسودان اليوم يحتاج إلى استعادة تلك الروح روح “الميثاق الغليظ” الذي لا ينقضه طمع شخصي أو ضيق أفق حزبي، وكما إن الحكمة الإنجليزية تقول “الصبر مر، ولكن ثمرته حلوة” وصبر السودانيين قد تجاوز المدى، مما يجعل استحقاق “الفجر الجديد” ليس منحة من أحد وإنما هو حق منتزع بقوة التضحيات والدماء التي سُكبت على مدرارة سبيل هذه الغايات النبيلة.
وفي سياق مماثل أيضا، تعلمنا الحكمة اليابانية التي تقول أن “الخيزران الذي ينحني للعاصفة أقوى من البلوط الذي ينكسر أمامها” وهذا يدعونا إلى المرونة السياسية الواعية التي لا تفرط في المبادئ ولكنها تحسن عملية إدارة التنوع بالمشاركة الواسعة للسودانيين والسودانيات بغية الوصول إلى المبتغاة، وذلك بناءا على الحكمة القديمة تقول “إذا أردت الذهاب سريعا فاذهب وحدك، وإذا أردت الذهاب بعيدا فاذهب مع الآخرين” وهي دعوة صريحة للوحدة الوطنية العريضة التي تدفن الأحقاد وتؤسس لعهد التعايش السلمي بحيث أن الملك لمن يخدم الشعب ويحمي الديار من التمزق والضياع.
وعطفا على ذلك، فإن تشخيص الخلل يكمن في تلك العقلية التي ترى في الوطن غنيمة، وفي السلطة وسيلة للثراء، ولذلك فإن الحل يبدأ من إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والسلطة بعدل ومساواة، وهنا يجب أن نضع النقاط على الحروف ونعترف بأن الدولة المركزية القابضة قد فشلت في إدارة التنوع، وأن الفدرالية الحقيقية هي المخرج الوحيد للحفاظ على وحدة التراب الوطني وتماسك نسيجه الاجتماعي من التفكك والانهيار، باعتبار إن الإرادة الشعبية هي المحرك الأساسي لعملية التغيير، وهي الكفيلة بكنس مخلفات الماضي وبناء صرح المستقبل الذي يليق بتضحيات هذا الشعب المعلم الذي لم يبخل يوما بدمائه في سبيل الحرية والكرامة.
وبهكذا ايمان بهذه القضية العادلة والمشروعة فإن الضرورة تقتضي هزيمة دولة نخب الظلم والمحسوبية بالحرب ولغة الرصاص التي لا تعرف غيرها، ليظل السودان عصيا على الانكسار وقادرا على اجتراح المعجزات مهما اشتدت الخطوب وتكالب الأعداء، فالفجر لا بد أن يبزغ بعد ليل طويل من المعاناة، وكما ان الإنجاز الحقيقي لا يكون بتحقيق الانتصارات العسكرية فقط، ولكنه يكون بالقدرة على بناء مؤسسات دستورية راسخة تحمي المواطن وتصون حقوقه وتفتح له آفاق الإبداع والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، ولتكن هذه هي فرصتنا الجادة ومحاولتنا الحثيثة لوقف هذا العبث وجعل التأسيس الجاري الآن منارة تهدي التائهين في دروب السياسة الوعرة، ولتكُن صرخة في وجه كل من يحاول عرقلة مسيرة التحرر الوطني، فالسودان الجديد قادم لا محالة بقوة الحق ومنطق التاريخ وصمود الأوفياء.
وبشكل أدق، فإن السودان يقف الآن على عتبة “العهد الجديد” وهو عهد لن يولد في القصور، ولكنه يولد في ضمير كل مواطن آمن بكرامته، والتاريخ سيسجل أن هذا الجيل قد سار في الطريق الوعر ليصنع معجزة الخلاص من ركام الدمار وصناعة فجر الحرية الذي ننشده ليس مجرد شروق للشمس، وانما هو إشراق للعقل والضمير السوداني.
ستظل هذه التضحيات تدرس للأجيال القادمة كيف تتحول المحن إلى منح، وكيف تصاغ الهوية من صهر المعاناة وإن الإنجاز الحقيقي ليس في كسب الحرب، ولكنه في صناعة واقع مستدام ينهي عقودا من التيه، ويضع الوطن في مقعده الطبيعي كقوة حضارية في قلب القارة والعالم، لقد آن لقطار التاريخ أن يتوقف في محطة العدالة، وآن للإرادة السودانية أن تعانق عنان السماء، معلنةً أن فجر التحرر قد بزغ، ولا راد لقضاء الشعوب إذا هي أرادت الحياة




