
د. اخلاص قرنق

إذا كان المقال الأول محاولة لفهم كيف صُنعت عقولنا، فإن هذا المقال هو محاولة لفهم كيف صُنعت مواقفنا.
لقد نشأ جيلي وهو يسمع اسم الدكتور جون قرنق مقرونًا بالحرب والتمرد والكفر والعداء للإسلام. لم يكن مطلوبًا منا أن نقرأ مشروعه السياسي، أو نستمع إلى خطبه، أو نفهم لماذا حمل السلاح. كان المطلوب فقط أن نكرهه.
كانت الحرب تُقدَّم لنا على أنها معركة بين الإيمان والكفر، وبين الإسلام وأعدائه، لا باعتبارها حربًا سياسية معقدة لها جذور تاريخية تتعلق بالسلطة والهوية وتقاسم الثروة والتنمية غير المتوازنة. وهكذا تشكل وعينا داخل رواية واحدة، لا تسمح بطرح الأسئلة.
كبرنا ونحن نردد شعارات الجهاد، ونشاهد برامج الحرب، ونسمع قصص “الاستشهاد”، دون أن نسأل: لماذا اندلعت هذه الحرب أصلًا؟ وهل كان جميع من يقاتلون في الجنوب يقاتلون الدين فعلًا، أم كانوا يحملون مطالب سياسية ورؤى مختلفة لمستقبل السودان؟
وحين بدأت أقرأ التاريخ بعيدًا عن الخطاب الرسمي، اكتشفت أن الصورة أكثر تعقيدًا مما تعلمناه.
وجدت أن الدكتور جون قرنق لم يكن يدعو إلى تقسيم السودان منذ بداية مشروعه السياسي، بل طرح رؤية عُرفت باسم “السودان الجديد”، تقوم على بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، بحيث لا يكون الدين أو العرق أو الثقافة سببًا في التمييز بين المواطنين. قد يختلف الناس مع هذه الرؤية أو ينتقدونها، لكن من الصعب فهمها إذا اكتفينا بما كانت تقوله الدعاية عنها.
ومع مرور السنوات، أدركت أن أخطر ما تفعله الدعاية ليس تشويه الخصم فقط، وإنما حرمان الناس من حقهم في المعرفة.
واليوم، وبعد اندلاع الحرب الحالية في السودان، يعود الخطاب نفسه بأشكال مختلفة. تتكرر مفردات التخوين والتكفير واحتكار الوطنية، وتُستخدم الشعارات الدينية مرة أخرى في خطاب التعبئة، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من دمائهم ومستقبلهم.
إن استدعاء الدين في أوقات الحرب مسؤولية بالغة الخطورة. فالإيمان قيمة عظيمة عند المؤمنين، لكن توظيفه في الصراع السياسي قد يحول الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية يصعب إنهاؤها، لأن الخصم لا يُقدَّم باعتباره مخالفًا سياسيًا، بل عدوًا للدين نفسه.
التاريخ يعلمنا أن الحروب تنتهي في النهاية إلى موائد التفاوض، لكن الكلمات التي تُزرع في عقول الأجيال تبقى لعقود. لذلك فإن مسؤولية المثقفين والمؤرخين ليست تبرئة هذا الطرف أو إدانة ذاك، وإنما الدفاع عن حق الناس في معرفة الوقائع كما هي، بعيدًا عن الدعاية.
لقد احتاج جيلي سنوات طويلة حتى يكتشف أن قراءة كتاب واحد لا تكفي، وأن الاستماع إلى رواية واحدة لا يصنع الحقيقة.
وأظن أن أكبر انتصار حققته على نفسي لم يكن أنني غيرت موقفي من شخص أو حركة سياسية، بل أنني تعلمت ألا أسمح لأحد أن يفكر نيابةً عني.
هذه ليست دعوة للاتفاق مع جون قرنق، ولا مع أي قائد سياسي، وإنما دعوة لقراءة التاريخ بعقول مفتوحة، لأن الأوطان لا تُبنى بالدعاية، ولا تُحفظ بالكراهية، وإنما تُبنى بالعدل، والوعي، والقدرة على الاعتراف بأخطاء الماضي حتى لا تتكرر في المستقبل.
اليوم، وبعد مرور السنوات، لا أنظر إلى تلك التجربة بروح الانتقام، وإنما بروح الفهم. فالأجيال التي تربت داخل منظومات التعبئة ليست متهمة، بقدر ما هي مطالبة بمراجعة ما تعلمته. فالنضج الحقيقي يبدأ عندما يمتلك الإنسان الشجاعة ليعيد النظر في أفكاره، ويعترف بأن الحقيقة أكبر من أي حزب، وأوسع من أي سلطة، وأبقى من أي دعاية.
إن أخطر ما تفعله الأنظمة الشمولية ليس أنها تكتب التاريخ كما تريد، بل أنها تمنع الناس من قراءة التاريخ كما كان.




