رأي

بين مأزق الإخوان وتوهان البرهان 

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة 

     لم يكن القرار الأميركي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية مجرد خطوة قانونية عابرة، بل جاء أشبه بزلزال سياسي أعاد ترتيب موازين القوة داخل الدولة، وكشف عن عمق التشابك بين السلطة الفعلية في بورتسودان والحركة الإسلامية، في لحظة تاريخية تتداخل فيها السياسة بالأمن، وتتشابك فيها حسابات الداخل مع ضغوط الخارج.

هذا القرار، في جوهره، لا يعيد توصيف جماعة فحسب، بل يعيد تعريف طبيعة الصراع في السودان. فبعد أن كان يُنظر إليه بوصفه نزاعًا داخليًا على السلطة، بات اليوم يُقرأ في سياق أوسع، يتصل بشبكات تنظيمية عابرة، وارتباطات إقليمية، وأبعاد أمنية تتجاوز حدود الدولة. وهنا تتبدل قواعد اللعبة، وتضيق مساحات المناورة أمام الفاعلين، خاصة أولئك الذين يقفون في قلب المعادلة.

في هذا السياق، تبدو القيادة العسكرية أمام معضلة مركّبة، إذ تجد نفسها بين خيارين كلاهما مُكلف؛ ففك الارتباط مع الحركة الإسلامية، رغم ما قد يحمله من مكاسب على صعيد تخفيف الضغوط الدولية، يفتح الباب أمام تهديدات داخلية مباشرة، في ظل وجود تشكيلات مسلحة ذات طابع عقائدي ترفض أي تسوية سياسية، وتعتبر وقف إطلاق النار تهديدًا لنفوذها. أما الاستمرار في التحالف الضمني مع هذه الجماعة، فيعني مزيدًا من العزلة الدولية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالبلاد.

ولعل ما يزيد من تعقيد هذه المعادلة هو أن العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى عقود من التداخل التنظيمي والتمكين المتبادل، ما يجعل أي محاولة للفصل بينهما أشبه بعملية جراحية دقيقة، محفوفة بالمخاطر، وغير مضمونة النتائج. فهذه العلاقة لم تكن مجرد تحالف ظرفي، بل تشكّلت عبر الزمن داخل بنية الدولة نفسها، حتى باتت خطوط الفصل بين الطرفين باهتة، إن لم تكن متلاشية.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز مسألة القوة على الأرض باعتبارها العامل الحاسم. فالحركة الإسلامية، وفق تقديرات متداولة، لا تعتمد على كيان واحد، بل تمتلك شبكة من التشكيلات المسلحة، بعضها يعمل بصورة مباشرة، وبعضها الآخر يتحرك تحت مظلات مختلفة، مثل ما يُعرف بالمقاومة الشعبية. هذه البنية المرنة تمنحها القدرة على إعادة التموضع، وإخفاء هويتها التنظيمية، مع الحفاظ على حضورها الفعلي في ميدان القتال.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع الحديث عن وجود كتائب مدربة تدريبًا نوعيًا، بعضها تلقى دعماً أو خبرات من جهات خارجية، ما يرفع من مستوى تسليحها وقدرتها القتالية، ويجعل مواجهتها أكثر صعوبة. هذه التشكيلات، التي تتبنى خطابًا عقائديًا متشددًا، ترفض أي مسار تفاوضي، وترى في استمرار الحرب وسيلة للحفاظ على نفوذها، بل وتعزيز حضورها داخل مؤسسات الدولة.

في ظل هذه المعطيات، يصبح الحديث عن فصل المؤسسة العسكرية عن نفوذ الحركة الإسلامية أقرب إلى التحدي الوجودي، لا مجرد خيار سياسي. فمثل هذا القرار يتطلب ليس فقط إرادة سياسية، بل أيضًا ترتيبات أمنية معقدة، تشمل توفير الحماية للقيادة، وإعادة هيكلة موازين القوة داخل الجيش، ومواجهة احتمالات الانقسام أو التمرد من قبل التشكيلات المرتبطة بالجماعة.

ومن جهة أخرى، فإن المجتمع الدولي، الذي لطالما تعامل مع الأزمة السودانية بحذر، قد يجد نفسه أمام واقع جديد يفرض عليه إعادة تقييم مواقفه. فالتصنيف الأميركي لا يستهدف جماعة بعينها فقط، بل ينعكس على طبيعة التعامل مع السلطة القائمة، ويجعل أي انخراط معها محفوفًا بحسابات قانونية وسياسية دقيقة. وهذا بدوره قد يزيد من عزلة السودان، ويعقّد جهود الوساطة، ويضعف فرص الدعم الاقتصادي في مرحلة هو أحوج ما يكون فيها إلى الاستقرار.

غير أن الأخطر في هذا التحول هو أنه يكشف عن طبيعة الصراع الحقيقية، بوصفه صراعًا على هوية الدولة ومستقبلها، لا مجرد تنافس على السلطة. فالحرب التي أنهكت البلاد لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها مشاريع سياسية متباينة، بعضها يسعى إلى إعادة إنتاج الماضي، وبعضها الآخر يحاول الدفع نحو مستقبل مختلف، يقوم على أسس مدنية وديمقراطية.

وفي هذا الإطار، تبدو السنوات الأخيرة وكأنها شهدت عملية منظمة لإعادة تشكيل الفضاء العام، عبر عسكرة المجتمع، وتوسيع قاعدة التشكيلات العقائدية، بما يضمن استمرار النفوذ حتى في حال تغير موازين السلطة الرسمية. وهذا ما يجعل تفكيك هذه البنية أمرًا بالغ التعقيد، إذ لا يتعلق فقط بحل تشكيلات مسلحة، بل بإعادة بناء الدولة نفسها من جديد.

ومع تضاؤل الخيارات، يجد السودان نفسه أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما أن يتجه نحو مواجهة داخلية تعيد رسم موازين القوة بالقوة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر الانهيار، أو أن ينجح في انتزاع مسار سياسي يوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات التحول، وهو خيار يتطلب توافقًا وطنيًا وإرادة حقيقية للخروج من دائرة العنف.

وفي خضم هذه التعقيدات، يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن للدولة أن تتحرر من إرث طويل من التشابكات التنظيمية، وتعيد بناء نفسها على أسس جديدة؟ أم أن هذا الإرث سيظل يقيد حركتها، ويعيد إنتاج الأزمات بأشكال مختلفة؟

لقد قيل قديمًا: “من اشتبكت خيوطه طال ليله”، ولعل حال السودان اليوم يجسد هذا المعنى بكل وضوح؛ فكلما تعقدت الخيوط، طال أمد الأزمة، وتضاءلت فرص الخروج منها. غير أن التاريخ يعلمنا أيضًا أن اللحظات الأكثر تعقيدًا قد تكون بوابة للتحولات الكبرى، إذا ما توفرت الإرادة، وتقدمت المصلحة الوطنية على حسابات القوة والنفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!