
حسن النعمان
في توقيتٍ بالغ الحساسية من تاريخ السودان، خرج الدكتور حسن مكي بخطابٍ يعيد إلى الذاكرة واحدة من أخطر الأدوات التي أرهقت البلاد عبر عقود طويلة، وهي خطاب الفتنة وإثارة النزاعات الكامنة في الوجدان الاجتماعي. لم يكن ما طرحه مجرد قراءة تاريخية أو اجتهاد فكري، بل بدا أقرب إلى محاولة لإحياء روايات قديمة مشحونة بالتحريض، تستدعي أحداثًا مؤلمة وتعيد توظيفها في سياق الحاضر بما يخدم خطاب الانقسام لا التماسك.
إن إعادة إثارة قضايا مثل مقتل الإمام المهدي أو الصراعات المرتبطة بالخليفة عبد الله التعايشي، وتقديمها بصورة انتقائية، لا يمكن فهمها بمعزل عن تداعياتها الخطيرة على النسيج الاجتماعي، خاصة في مناطق مثل كردفان ودارفور وبعض مناطق الشمال، حيث لا تزال آثار النزاعات ماثلة في الذاكرة الجمعية. فالتاريخ، حين يُستدعى بلا مسؤولية، يتحول من مصدر للعبرة إلى وقودٍ للفتنة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا الآن؟ ولماذا يُعاد فتح هذه الملفات في لحظة يحتاج فيها السودان إلى التهدئة لا التصعيد، وإلى البناء لا الهدم؟ هل هو هروب من مواجهة واقعٍ معقد، أم محاولة لإعادة تشكيل الوعي العام عبر إغراقه في جدالات الماضي؟ أم أنه سعيٌ لإعادة إنتاج خطابٍ فقد تأثيره ولم يعد يجد له صدى في الحاضر؟
لقد أثبتت التجربة أن الإكثار من الكتابة لا يعني امتلاك الحقيقة، كما أن تراكم المؤلفات لا يمنح حصانة من النقد أو المساءلة. فالأفكار تُقاس بآثارها، والخطاب يُحاكم بمدى مساهمته في استقرار المجتمع أو زعزعته. ومن هذا المنطلق، فإن أي طرحٍ يفتح أبواب الفتنة أو يحرّض على الانقسام لا يمكن اعتباره اجتهادًا بريئًا، بل هو فعلٌ يستوجب التوقف عنده بجدية.
غير أن السودان اليوم ليس كما كان بالأمس. فثمة وعيٌ متنامٍ لدى الأجيال الجديدة، التي خبرت كلفة الانقسام ودفعت ثمنه من أمنها واستقرارها ومستقبلها. هذا الجيل لم يعد سهل الانقياد خلف خطابات التخويف أو الاستقطاب، بل بات أكثر إدراكًا بأن وحدة المجتمع هي صمام الأمان الوحيد في وجه الأزمات.
إن اللعب على أوتار القبيلة، واستدعاء النزاعات التاريخية، ومحاولة إعادة تقسيم المجتمع على أسس ضيقة، لن يجد له مكانًا في واقعٍ يتجه رغم كل التعقيدات نحو البحث عن المشترك الوطني. فالسودانيون اليوم أحوج ما يكونون إلى خطابٍ يوحدهم، لا إلى أصواتٍ تعيد إنتاج الشقاق.
ختامًا، يمكن القول بثقة إن خطاب الفتنة لم يعد مقبولًا، ولن يجد البيئة التي كان يجدها في السابق. فالسودان أكبر من أن يُختزل في روايات متنازعة، وأبناؤه أقدر على تمييز ما يجمعهم مما يفرقهم.
هي لله… لا للفتنة، ولا لمن يتاجرون بها.




