رأي

هل تُحكم الدولة بعلاقات القرابة؟

اسماعيل رحمة المحامي

 

إسماعيل رحمه المحامي

يثير الواقع السياسي السوداني تساؤلًا متجددًا حول طبيعة بنية السلطة في البلاد: هل نحن أمام دولة تُدار وفق مؤسسات ومعايير مهنية، أم أن علاقات القرابة والارتباطات العائلية ما تزال تلعب الدور الحاسم في تشكيل مراكز النفوذ واتخاذ القرار؟

تتجلى هذه الإشكالية بوضوح حين تتقاطع المناصب السيادية مع الروابط الأسرية، في مشهد يضعف الثقة في حياد الدولة ويعزز الانطباع بأن التعيينات لا تستند إلى الكفاءة بقدر ما تقوم على شبكة العلاقات الشخصية. فعندما يصبح القرب العائلي مدخلًا للسلطة، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول العدالة وتكافؤ الفرص، ويضعف مفهوم الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات.

لكن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى تاريخ طويل من تشكل الدولة السودانية. فمنذ بدايات الحكم الوطني، تأثرت بنية السلطة بإرث إداري واجتماعي تشكل خلال العهدين التركي والمصري ثم الاستعمار الإنجليزي. حيث أُتيحت الفرص لفئات محددة احتكرت التعليم والوظائف، مما مكنها لاحقًا من وراثة مواقع النفوذ بعد الاستقلال فيما عُرف بعملية “سودنة الوظائف”.

هذا الإرث ساهم في تكوين نخب مركزية ظلت تمسك بمفاصل الدولة، وتعزز حضورها عبر شبكات المصالح والعلاقات، مما أدى إلى إعادة إنتاج ذات النخبة عبر الأجيال. ومع مرور الوقت، ترسخت هذه البنية حتى أصبحت أقرب إلى نظام غير معلن من التداول الوراثي للسلطة، وإن اتخذ أشكالًا مدنية أو سياسية مختلفة.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في رصد هذه الظواهر، بل في كيفية تجاوزها. فبناء دولة حديثة يتطلب إعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة والنزاهة، وتعزيز الشفافية في التعيينات، وفصل العلاقات الشخصية عن الشأن العام. كما يستدعي الأمر إصلاحًا مؤسسيًا عميقًا يضمن استقلالية الأجهزة ويمنع تداخل المصالح.

في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: هل يستطيع السودان كسر هذه الحلقة التاريخية، والانتقال من دولة العلاقات إلى دولة المؤسسات؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ملامح المستقبل السياسي للبلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!