رأي

لجنة إزالة التمكين وحدها لا تكفي… ما لم

منال علي محمود

 

منال علي محمود

دخلت لجنة إزالة التمكين وهي تحمل ملفات فساد نظام الإنقاذ، أموالاً منهوبة، وامتيازات منحها الإخوان لأنفسهم داخل الدولة. لكن أي مجهود منفرد سيظل جزئياً وغير كافٍ، لأن تصميم الدولة وقوانينها الفاسدة تجعل أي تحقيق ناقصاً دون تكامل كل القوى المدنية.

ثم جاء 25 أكتوبر، انقلاب الجنرال البرهان، ليجمّد كل شيء في لحظة. ملفات اللجنة وأدلتها وتحركاتها توقفت بسهولة صادمة. العدالة اصطدمت مباشرة بالمؤسسة العسكرية التي لا تقبل مساءلة نفسها، ولا بأي مشروع يكشف فساد الإخوان أو المحسوبين عليهم.

السؤال الأكبر: ماذا لو لم تصنف الولايات المتحدة الإخوان السودانيين كتنظيم إرهابي؟ هل كانت أي جهود محلية لتكون فعّالة دون دعم دولي؟ الجواب يوضح هشاشة الداخل: العدالة تحتاج إلى غطاء داخلي متكامل ودولي، لأن البنية الوطنية وحدها لا تحميها.

تضافر القوى… شرط لعدالة حقيقية

أي مجهود تقوم به لجنة إزالة التمكين سيظل جزئياً ومنفرداً ما لم يتكامل مع بقية القوى المدنية. لا يمكن للتشريعات أن تُنفذ، ولا يمكن للتحقيقات أن تصل إلى المحاسبة الكاملة، ما لم يجتمع تحالف تأسيس، تحالف صمود، وكل الكيانات المدنية التي تشترك في هدف استراتيجي واحد: خلع نظام الإخوان، إنهاء الحماية الدستورية للمؤسسة العسكرية، وتحقيق وقف الحرب التي أضرت بالشعب.

نظام الإخوان نجح طوال عقود في تفريق كل القوى المعارضة، مستفيداً من خلافاتها لتفادي أي تهديد لسلطته. وفي الوقت نفسه، هم، رغم خلافاتهم الداخلية التي أدت إلى المفاصلة، تجمعوا تحت مظلة التيار الإسلامي العريض متحدين في حماية مصالحهم.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل وعينا الدرس بعد هذه الحرب؟ هل يمكن للقوى المدنية أن تتجاوز خلافاتها وتتوحد حول هدف الشعب الاستراتيجي الذي انتظره منذ ثلاثين عاماً؟

الشعب لم يعد يهمه الخلافات الأيديولوجية بين هذه القوى؛ ما يهمه هو استعادة الدولة وإنهاء الحرب. كل من يثبت تورطه في أي جرم أو فساد سيحاسب بعد سقوط نظام الإخوان، لكن هذا لا يجعل أي تحالف مدني هدفاً للهجوم أو التشويه. أي محاولة من الإخوان أو أذرعهم لتفريق القوى المدنية ستبوء بالفشل، لأن الشعب يعرف ما يريد منذ عقود: العدالة واستعادة الدولة، وليس الانقسام بين المدنيين.

فقط حين تتضافر الإرادة والجهود الداخلية، وتتحول الملفات والأدلة إلى قوة ضغط موحدة، يمكن أن يصبح التغيير حقيقة ملموسة، لا حلم معلّق على أوراق القوانين الفاسدة.

الحلف الاستراتيجي… ضرورة لمواجهة سرطان النظام القديم

حتى هذه اللحظة، كل طرف يعمل بمفرده: لجنة إزالة التمكين تجري تحقيقاتها، تحالف تأسيس يحاول الضغط السياسي، بعض المنظمات المدنية تعمل في إطارها الخاص. النتيجة: كل واحد يصل إلى حدوده، وكل فرصة للتغيير تضيع بسبب غياب التنسيق.

الحل: تحالف استراتيجي يجمع كل القوى المدنية، وحتى الإعلام والنشطاء المؤثرين، حول هدف واحد: نزع السرطان الذي أضر بالجميع—الإخوان وأذرعهم، والمؤسسة العسكرية التي وفرت لهم الحماية.

هذا الحلف يضمن:

توحيد الرسائل الداخلية والخارجية.

توحيد الملفات والأدلة وتحويلها إلى ضغط سياسي وقانوني مستمر.

ضمان أن أي خطوات مستقبلية—تعديل قوانين، مساءلة الفاسدين، تفعيل العقوبات الدولية—تتم بدعم متكامل داخلي وخارجي، بلا فراغ أو تضارب.

الحلف الاستراتيجي يحوّل كل جهد فردي إلى جزء من استراتيجية واضحة تمنع تعطيله وتضاعف تأثيره على الأرض والعالم الخارجي.

الخاتمة: الطريق إلى عدالة حقيقية

الشعب السوداني ليس ضعيفاً، والمحنة ليست بسبب قلة الجهد، بل بسبب تصميم الدولة الذي جعل المؤسسة العسكرية فوق القانون. الحل يبدأ من إعادة تعريف دور الجيش، ونزع الحماية الدستورية التي تمنعه من المساءلة، ووضعه كجهاز خدمي مثل كل الجهات الأخرى.

عندما تتحرك كل القوى المدنية بالتنسيق القانوني والسياسي، ويكون الدعم الدولي مركزاً على استهداف الفاسدين فقط، يمكن تحويل الملفات والأدلة إلى أدوات حقيقية لتغيير البنية، وتحويل أمل الشعب إلى حقيقة ملموسة.

بدون هذا التغيير، ستظل كل محاولة إصلاح تبدأ بالأمل، وتنتهي عند نقطة توقف النظام القديم نفسه.

في السودان، العدالة لا تتعثر لأنها صعبة، بل لأنها تصطدم بشكل الدولة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!