رأي

شبكة السرديات الموجّهة: قراءة تحليلية في بنية “الشبكة الشبابية” ودورها في الحرب المعلوماتية 

عز الدين حسن

 

عزالدين حسن

طالب دراسات عليا – متخصص في الدراسات الاستراتيجية والأمنية

مقدمة

استكمالًا لما طُرح في الحلقة الأولى، وفي ظل التعقيدات المتصاعدة للصراع في السودان، تبرز الحرب المعلوماتية كأحد أبرز ميادين المواجهة غير التقليدية. لم تعد المعركة مقتصرة على الجغرافيا والسلاح، بل امتدت إلى فضاءات السرديات، حيث تتقاطع الأبعاد الحقوقية والإعلامية والسياسية لتشكّل أدوات ضغط وتأثير على الرأي العام المحلي والدولي.

وفي هذا السياق، تتناول هذه الورقة بالتحليل بنية ما يُعرف بـ”الشبكة الشبابية”، التي تأسست في كمبالا عام 2023، بوصفها نموذجًا لتنظيمات تعمل تحت مظلات مدنية وحقوقية، بينما تنخرط – وفق هذا الطرح – في أدوار تتجاوز العمل المدني إلى التأثير في مسار الصراع عبر إنتاج وترويج سرديات موجهة.

أولًا: حين تتحول الحقوق إلى أداة في حروب الجيل الرابع

أحد أبرز ملامح الحروب الحديثة هو توظيف الخطاب الحقوقي والإنساني كوسيلة ضغط استراتيجية. إذ يُعاد تشكيل هذا الخطاب في بعض الحالات ليخدم سرديات محددة، عبر انتقاء الوقائع أو إعادة تأطيرها بما يتوافق مع أهداف سياسية.

تظهر بعض الكيانات، ومنها “الشبكة الشبابية”، بواجهة الحياد والاستقلالية، غير أن طبيعة الخطاب والمخرجات تثير تساؤلات حول مدى ارتباطها بأجندات غير معلنة. وفي هذا الإطار، يصبح العمل الحقوقي، بدلًا من كونه أداة لحماية المدنيين، جزءًا من معركة السرديات، حيث يُستخدم في التأثير على مواقف المجتمع الدولي وصناع القرار.

ثانيًا: كمبالا كنقطة انطلاق – بين الضيافة والاستغلال

لا يمكن إغفال الدور الإيجابي الذي لعبته دول الجوار، مثل أوغندا وكينيا وإثيوبيا وجنوب السودان وغيرها، في استضافة اللاجئين السودانيين وتقديم التسهيلات الإنسانية، بما في ذلك إعفاءات التأشيرات والدعم اللوجستي.

غير أن هذا الواقع الإنساني ذاته قد يُستغل، وفق ما تشير إليه هذه القراءة، ليكون بيئة حاضنة لأنشطة تتجاوز الإغاثة إلى العمل السياسي والإعلامي المنظم. كما تبرز اتهامات باستغلال بعض البعثات الدبلوماسية كمنصات لنشاطات ذات طابع سياسي أو استخباراتي، وهو ما يعكس – إن صح – حالة من التداخل بين العمل الدبلوماسي والصراع الداخلي.

ثالثًا: التشكيل والتمويل – بين الغطاء المدني والهندسة التنظيمية

تشير المعطيات إلى أن بنية “الشبكة الشبابية” تقوم على واجهات مدنية وحقوقية، تمنحها قدرًا من الشرعية والقبول، في حين يُعتقد أن خلفيات بعض القيادات أو الداعمين ترتبط بجهات سياسية أو عسكرية.

وفيما يتعلق بالتمويل، تبرز مزاعم حول وجود مصادر دعم مرتبطة بمؤسسات رسمية أو شخصيات نافذة، الأمر الذي – إن ثبت – يفتح تساؤلات حول توظيف الموارد العامة في أنشطة ذات طابع سياسي أو إعلامي موجه.

ويمثل هذا النموذج أحد أنماط ما يُعرف بـ”المنظمات الواجهة”، التي تُدار عبر هياكل مدنية ظاهرية، بينما تخدم أهدافًا أوسع ضمن سياق الصراع.

رابعًا: الانتشار الإقليمي – شبكة متعددة العقد

توسّع نشاط الشبكة في عدد من العواصم الإقليمية، مثل جوبا، أديس أبابا، نيروبي، كيغالي، إنجمينا، القاهرة، وبورتسودان، يشير إلى نمط عمل يتجاوز الحدود المحلية.

ويُفهم هذا الانتشار – في هذا الطرح – باعتباره جزءًا من استراتيجية تهدف إلى:

توسيع نطاق التأثير الإعلامي والسياسي

بناء شبكات علاقات إقليمية

خلق انطباع بوجود امتداد دولي للنشاط

التأثير على مواقف الحكومات والمنظمات الإقليمية

كما تُثار تساؤلات حول طبيعة الحماية أو الدعم الذي تتلقاه هذه الأنشطة، خاصة في ظل تعقيدات البيئة السياسية والأمنية في المنطقة.

خامسًا: آليات العمل – بين التوثيق والتوظيف

تعتمد الحرب المعلوماتية على أدوات متعددة، من أبرزها إنتاج التقارير والشهادات التي تُستخدم في تشكيل الرأي العام. وتشير هذه القراءة إلى وجود نمط من العمل يقوم على:

التركيز على مناطق محددة ذات حساسية عالية

إعادة صياغة الأحداث أو إخراجها من سياقها

الاعتماد على شهادات فردية يصعب التحقق منها

الترويج المكثف عبر قنوات إعلامية ومنصات دولية

وفي هذا الإطار، تتداخل حدود التوثيق المهني مع التوظيف السياسي، ما يطرح تحديات كبيرة أمام مصداقية المعلومات المتداولة.

كما تُستخدم أدوات الحرب النفسية، مثل التكرار والتعميم، في ترسيخ صور ذهنية معينة، بما قد يؤدي إلى خلق انطباعات يصعب تغييرها لاحقًا.

سادسًا: استغلال الجاليات والنازحين – الهشاشة كمدخل للتأثير

تشكل الفئات المتضررة من النزاع، مثل النازحين واللاجئين، بيئة خصبة للتأثير، نظرًا لظروفها الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.

وتشير هذه الورقة إلى أن بعض الأنشطة قد تستهدف هذه الفئات عبر:

تقديم حوافز مادية أو وعود مستقبلية

توجيه المشاعر والغضب الناتج عن المعاناة

استقطاب الأفراد للمشاركة في حملات إعلامية أو توقيع شهادات

خلق شبكات محلية لنشر سرديات محددة

ويثير هذا النمط من العمل إشكالات أخلاقية عميقة، خاصة إذا ما تم توظيف معاناة الأفراد كوسيلة في صراع معلوماتي.

خاتمة

تكشف هذه القراءة عن تعقيد متزايد في طبيعة الصراع بالسودان، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية مع الحروب الناعمة، وعلى رأسها حرب السرديات. وبينما تظل الحاجة قائمة إلى توثيق الانتهاكات والدفاع عن الحقوق، فإن التحدي يكمن في ضمان نزاهة هذا العمل وعدم انزلاقه إلى أدوات ضمن صراع سياسي أو إعلامي.

وفي ظل هذا المشهد، تبرز ضرورة تعزيز معايير الشفافية والمهنية، وبناء آليات تحقق مستقلة، بما يضمن أن تبقى الحقيقة هي المرجعية الأولى، بعيدًا عن الاستقطاب والتوظيف.

نواصل في الحلقة القادمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!