رأي

أخطبوط النخبة النيلية وحقيقة المنظومة العابرة للحدود

فيصل ابكر شرف

 

فيصل أبكر شرف

إن تشريح الأزمة السودانية الراهنة يفرض مقاربة أكثر عمقًا تتجاوز التفسيرات السطحية، وتذهب مباشرة إلى البنية التاريخية التي شكّلت مركز السلطة منذ الاستقلال. فالأزمة لم تعد مجرد صراع سياسي عابر، بل هي نتاج تراكمات ممتدة تعكس اختلالات في توزيع السلطة والثروة، وهيمنة نخبوية أعادت إنتاج نفسها بأشكال متعددة عبر العقود.

إن اختزال المشهد في تيار سياسي واحد يظل قراءة ناقصة، إذ تشير الوقائع إلى أن منظومة النفوذ أوسع وأكثر تعقيدًا، حيث تتداخل المصالح وتتشابك الشبكات التي حافظت على مواقعها عبر التكيّف مع التحولات المختلفة. لقد أظهرت تجارب الانقسام السياسي السابقة أن ما يبدو خلافًا فكريًا غالبًا ما يخفي وراءه صراعات على مراكز القوة، داخل الإطار ذاته، دون تغيير حقيقي في بنية الهيمنة.

ولعل من أبرز ملامح هذه المنظومة قدرتها على التمدد داخل مؤسسات الدولة الحيوية، بما في ذلك الجهاز التنفيذي والمؤسسات الدبلوماسية، حيث أُعيد تشكيل هذه المواقع وفق توازنات محددة، حدّت من فرص التمثيل العادل لبقية مكونات المجتمع السوداني. كما امتدت هذه الشبكات إلى الفضاء الخارجي، حيث تشكلت دوائر نفوذ في المهجر ساهمت في تعزيز هذا الواقع، سواء عبر التأثير في الفرص أو من خلال شبكات العلاقات.

إن ما يحدث في الجاليات السودانية بالخارج يعكس بدوره صورة مصغّرة من الداخل، حيث تتكرر أنماط الإقصاء والتنافس غير المتكافئ، مما يعمّق الإحساس بالتهميش لدى فئات واسعة. هذا الامتداد الخارجي لا يمكن فصله عن الداخل، بل يمثل جزءًا من منظومة أوسع تسعى للحفاظ على توازنات قائمة، حتى وإن جاءت على حساب وحدة النسيج الوطني.

ومع ذلك، فإن هذه المرحلة الحرجة تفتح في المقابل نافذة لإعادة التفكير في أسس الدولة السودانية، والانتقال نحو نموذج جديد يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة في توزيع الفرص. إن تجاوز إرث الماضي لا يتحقق عبر إعادة إنتاجه، بل من خلال بناء مؤسسات تستوعب التنوع، وتضمن مشاركة حقيقية لكل مكونات المجتمع.

يبقى الأمل معقودًا على وعي القوى الحية في المجتمع، وقدرتها على قراءة اللحظة التاريخية بعمق ومسؤولية، والعمل على صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات. فمهما تعقّدت الأزمات، تظل إمكانية النهوض قائمة، إذا ما توفرت الإرادة والرؤية لبناء سودان جديد يتسع للجميع، ويضع حدًا لدورات الصراع المتكررة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!