رأي

المجتمع المدني وحكومة التأسيس

مها طبيق

مها طبيق 

الأزمات التي يعانيها السودان بجانب كونها وليدة الحرب الحالية ، فهي نتاج تاريخ طويل من الفشل المؤسسي والتهميش . وفي قلب هذه الأزمة يقف المجتمع المدني بدور ملتبس إذ كان من المفترض أن يكون قوة للتغيير ، لكنه في محطات عديدة تحوّل إلى جزء من المشكلة ، يعيد إنتاج نفس المعادلات التي صنعتها النخب . واليوم ، مع بروز مشروع حكومة التأسيس ، تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً لإعادة تعريف دور هذا القطاع حتى يتحول إلى صوت الناس بعيدا عن صدى المانحين والنخب المركزية .

فإذا عدنا إلى جذور الأزمة نجد أن معظم منظمات المجتمع المدني نشأت في الخرطوم ، ما جعلها تتعامل مع قضايا دارفور والنيل الأزرق والشرق وجبال النوبة كملفات إنسانية ثانوية وليست قضايا سياسية تمس جوهر الدولة . وزاد الأمر تعقيداً الارتهان للتمويل الخارجي الذي فرض أجندة ضيقة حول الجندر والحوكمة الشكلية ، بينما تراجعت القضايا الأساسية مثل الأرض والموارد والعدالة الاجتماعية . وإلى جانب ذلك ، اتسم النشاط المدني بالنخبوية التي ركزت على مثقفي المدن ونشطائها ، في حين جرى تهميش النساء في المعسكرات والرعاة والعمال الزراعيين . حتى مآسي النازحين تحولت إلى وسيلة لجذب التمويل أكثر من كونها مشاريع تغيير حقيقية . والنتيجة فقدان ثقة القواعد الشعبية في المجتمع المدني واعتباره امتداداً للمركز .

في المقابل ، تقع على عاتق حكومة التأسيس مسؤولية تجاوز عقلية النخبة ، فنجاحها مرهون بإشراك المجتمع المدني القاعدي بعيدا عن المنظمات التي تحترف لغة المؤتمرات . المطلوب هو مؤسسات محلية تنبثق من القرى والمدن الصغيرة ، وسياسات ترتبط مباشرة بخدمات الناس وأمنهم وعدالتهم وهمومهم اليومية .

إعادة بناء المجتمع المدني تتطلب لامركزية حقيقية بإنشاء مراكز قاعدية في الأقاليم تتحدث لغة الناس وتفهم واقعهم ، وإشراك المهمشين بشكل مباشر من النساء النازحات والشباب الريفي والرعاة والنازحين في عملية صنع القرار . كما تقتضي وضع ميثاق شراكة واضح مع الحكومة يضمن المساءلة والشفافية ، إلى جانب إدارة وطنية للموارد عبر صندوق لإعادة الإعمار يخضع لإشراف مشترك بين الدولة والمجتمع المدني وخبراء مستقلين ، مع تفعيل آليات رقابة مجتمعية تتيح للمواطن متابعة الأداء من خلال تقارير معلنة ودورية .

لكن إذا لم يحدث هذا التحول الجذري ، فإن المخاطر كبيرة . فاستمرار عزلة المجتمع المدني عن قواعده الشعبية سيحوّل مشروع التأسيس إلى مجرد شعار بلا مضمون ، وترك ملف الموارد بيد العسكريين أو الممولين الأجانب سيعيد دورة النهب ، أما إعادة إنتاج النخب القديمة فلن تقود إلا إلى حرب جديدة حتى بعد وقف النار .

أن الخيارات أمام السودان لا تحتمل المراوغة . على المجتمع المدني أن يتحرر من المركز والمانحين إذا أراد أن يكون قوة تغيير ، وعلى حكومة التأسيس أن تصغي لنبض الهامش وصوت القاعدة الشعبية إذا أرادت النجاح. فما يحتاجه السودان اليوم هو تأسيس حقيقي يقوم على شراكة متينة بين مجتمع مدني متجذر في الناس وحكومة تضع العدالة والمواطنة في قلب مشروعها . غير ذلك لن يكون سوى تكرار للفشل وفتح فصل جديد من خيانة شعب الذي أنهكته الحروب .

مها الهادي طبيق

29 سبتمبر 2025

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!