رأي

مصر… الدولة التي تخشى سودان مستقر ومستقل 

عبد الرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا

 

عبد الرحمن أبو رندة… بنسلفانيا 

ليس خافياً على أحد أن القاهرة تنظر إلى السودان بعينٍ قلقة، عينٍ لا ترى حق الجار في أن يبني دولته، بل ترى في استقراره احتمالات مزعجة قد تمتد شمالاً. هذا القلق لم يعد تحليلاً سياسياً أو انطباعاً عاماً، بل أصبح سلوكاً ثابتاً يتكرر مع كل محاولة سودانية لاستعادة الطريق نحو دولة حديثة مستقلة القرار.

فمصر التي تتحدث عن “العلاقات الأزلية” هي نفسها التي تتحرك، كلما اقترب السودانيون من إعادة ترتيب بيتهم الداخلي، لإعادة خلط الأوراق وتعويم القوى التي لفظها الشارع، وكأنها تريد للسودان أن يظل هشاً، غير مكتمل، قابلاً للالتقاط السياسي كلما دعت الحاجة. ليس حباً في النفوذ، بل خوفاً من نموذج ديمقراطي حقيقي على حدودها قد يعيد تعريف الشرعية في الإقليم كله.

والمتابع لا يحتاج إلى كثير ذكاء ليرى أن القاهرة ما زالت تتبنى عقلية “الوصاية الهادئة” على السودان. فهي لا تؤمن بأن استقرار السودان يصب في مصلحة المنطقة بقدر ما تؤمن بأن ضعف السودان يمنحها مساحة أوسع للتحكم في مساره. ولذلك تتحرك ضد كل مسار مدني حقيقي، ليس لأنها تجهل مزاياه، بل لأنها تخشى أن تنتج الخرطوم نموذجاً سياسياً لا تشبهه القاهرة ولا تستطيع التعايش معه.

واللافت أن القاهرة لا تتردد كلما احتدمت الأزمات  في طرح خطاب “عدم الإقصاء”، رغم أنها تعرف تماماً أن ما تسميه “الإقصاء” هو في الواقع قرار شعبي حقيقي ضد قوى سياسية دمّرت الدولة لعقود. لكنها تصرّ على إعادة تقديمهم كخيار قابل للحياة، لأنها ببساطة لا تجد في القوى المدنية شريكاً مطواعاً بالقدر الذي تريده. فالقاهرة تفضّل التحالف مع من يمسكون بالبندقية لا مع من يملكون الشرعية، لأنها ترى الأمن لا السياسة، السيطرة لا الشراكة، السكون لا التغيير.

وما يدعو للسخرية المريرة أن الدولة التي منعت الإسلاميين في شوارعها وجرّمت وجودهم داخل حدودها، تحاول اليوم أن تبيع للسودانيين فكرة أنهم “جزء من الحل”. كيف يصبح الخطر في القاهرة شريكاً في الخرطوم؟ وكيف تتحوّل الجماعات التي دمّرت السودان إلى “مكوّن سياسي” بمجرد عبورها النيل جنوباً؟ هذا ليس موقفاً سياسياً، بل ازدواجية مكشوفة لا تخفى على أحد.

إن ما تخشاه القاهرة حقاً ليس الفوضى في السودان، بل نهايتها هي. تخشى دولة مدنية تعيد رسم توازنات المنطقة، وتخشى مجتمعاً حراً يعيد طرح أسئلة محرجة على جيران الشمال، وتخشى نموذجاً جديداً يكسر معادلة “الرجل الواحد” و“الدولة المركزية الثقيلة” التي بنت عليها سياساتها لعقود طويلة.

لكن ما لم تدركه القاهرة بعد هو أن السودان لم يعد قابلاً للابتلاع السياسي. لقد خرج من الحرب أكثر وعياً، وأكثر صلابة، وأكثر قدرة على اكتشاف مَن يقف معه ومَن يضع العصي في عجلة نهوضه. وهذا الشعب—الذي صبر حتى كاد الصبر يخجل منه—لن يقبل بعد اليوم دولة تتحدث باسم مصالحها وهي تمسح بقدمها إرادة السودانيين.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا تريد القاهرة؟ بل: هل تستوعب القاهرة أن السودان الجديد لن ينتظرها؟ وأن الزمن الذي كانت تملي فيه اتجاه الريح قد انتهى؟ وأن الدول لا تُبنى على إرضاء الجيران بل على احترام شعوبها؟

السودان قادم… شاءت القاهرة أم رفضت. ولن يعود إلى الوراء مهما ارتفعت أصوات الوصاية أو تعددت محاولات إعادة تدوير الخراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!