
نجم الدين دريسة
لم تأتِ تصريحات عبد الفتاح البرهان بجديد يُذكر، بل جاءت امتدادًا لخطابٍ ظل يراوح مكانه، خطابٍ يعكس حالة من الانفصال عن واقعٍ يتشكل على الأرض كل يوم. فبينما يتحدث الرجل عن شروطٍ تعجيزية للسلام، تمضي الوقائع في اتجاهٍ مختلف تمامًا، حيث لم تعد المعادلة كما كانت، ولم يعد ميزان القوة حكراً على مؤسسةٍ احتكرت الدولة لعقود.
الحقيقة الواضحة كالشمس في رابعة النهار أن قوات الدعم السريع لم تعد مجرد طرف في صراع عسكري، بل أداة تعبر عن قطاعات واسعة من الشعوب السودانية لا سيما المهمشين سياسا واجتماعيا وإقصاديا وبالطبع هذه القوات، شئنا أم أبينا، لم تُهزم ولن تنسحب وفق شروط الإملاء، بل تمضي بثقة نحو إعادة صياغة موازين القوة في السودان، مستندة إلى حاضنة اجتماعية ترى فيها أداة للتحرر من بنية تاريخية ظلت تحكم البلاد بمنطق المركز وهيمنة الامتيازات وهي جزء من تحالف السودان التأسيسي الذي يتكي علي قاعدة جماهيرية هي الاعرض في تاريخ السودان ورؤي واطروحات استطاعت ان تعالج جذور الأزمة السياسية في الوطن المثقل بظلم الاوليغارشية
وفي المقابل، يقف البرهان بوصفه امتدادًا لمؤسسة عسكرية مثقلة بتاريخ معقد، جيشٍ لم يكن يومًا محايدًا بالكامل، بل ظل حارسًا لترتيبات سياسية واقتصادية تخدم نخبة بعينها. جيشٌ تعرض، عبر سنوات، للاختراق والتسييس، حتى بات يجمع بين تناقضات حادة: مؤسسة يفترض أن تحمي الشعب، لكنها وُجهت مرارًا إلى الداخل، فدخلت في صراعات مع ذات الشعب الذي يفترض أن تكون درعه.
ان جيشكم صنيعة استعمارية ، لم يزل مرتهنا ومرتبطا بشكل وثيق بالاجندات الخارجية وتحديدا الدولة المصرية ، والذي يمثل فيها جيش ونجت باشا الذي يسمي بالقوات المسلحةالسودانية يمثل الجيش الثالث لمصر الرسمية، ما أضعف استقلال قراره الوطني، وأدخله في دوائر من الارتهان السياسي. علاوة علي الإختراقات التي تمت من الأنظمة الأيديولوجية والعقائدية وارتباطه بالحركة الإسلامية التي ظلت تغرق الجيش لثلاثة عقود بكوادر مؤدلجة زادت من تعقيد صورته، وجعلته، في نظر كثيرين، جزءًا من أزمة الحكم لا أداة لحلها.
ومن هنا، فإن الحديث عن “حصر السلاح في يد الدولة” يبدو، في هذا السياق، طرحًا ناقصًا ما لم يُطرح معه سؤال: أي دولة؟ ولصالح من؟ إذ لا يمكن إعادة إنتاج ذات البنية التي ثار ضدها السودانيون مرارًا، ثم توقع نتائج مختلفة.. لا بد من إعادة تعريف الدولة وتأسيس جيش قومي بعقيدة قتالية وطنية يعبر عن الشعوب السودانية وليس عصا غليظة لضربها .
إن الأزمة السودانية اليوم ليست مجرد صراع عسكري، بل صراع حول طبيعة الدولة نفسها: هل تظل دولة مركزية مغلقة تحرسها نخبة محدودة، أم تتحول إلى دولة تعكس تنوع شعوبها وتوزع السلطة والثروة بعدالة؟
قوات الدعم السريع، هي قوات تحرر وطني وقوة تغيير تسعى لكسر احتكار السلطة، بينما تتمسك البرهان التوهان ومن معك من قوي الردة وأصحاب الامتيازات التاريخية بمنطق الدولة التقليدية التي ترى في أي تغيير تهديدًا وجوديًا. وبين هذين المسارين، تدفع الشعوب السودانية في هوامش السودان الثمن الأكبر
لكن المؤكد أن عجلة التاريخ لا تعود إلى الوراء. فكل التجارب أثبتت أن الشعوب، مهما طال صبرها، لا تقبل بالهيمنة إلى الأبد. وما يحدث اليوم هو فصل جديد من صراع طويل، عنوانه إعادة تعريف من يملك السودان، ومن يحدد مستقبله.
وفي خضم هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستمر خطاب الإنكار والمكابرة، أم تنضج لحظة الاعتراف بواقع جديد يفرض نفسه بقوة الأرض والتاريخ؟
الإجابة، كما يبدو، لم تعد بعيدة.



