
مليح يعقوب حماد
مدير قسم الثقافة والفكر بالمركز الإفريقي للديمقراطية والتنمية
مدخل: في مأزق الوعي البيروقراطي وإدارة المرحلة
تعيش الدولة السودانية، في مخاضها التاريخي الراهن، مواجهةً مصيرية لإنتاج صيغة سياسية واجتماعية جديدة تتجاوز بها إرث الانهيارات المتراكمة منذ العام 1956م. وفي خضم هذا السعي الحثيث نحو “التأسيس”، يبرز تساؤل بنيوي حول موقع الثقافة والفنون في عقلية صانع القرار الإداري والسياسي.
إن إرجاء إدماج حقيبة الثقافة في التشكيل الوزاري، أو التعامل مع الملف الثقافي بوصفه رتبةً تكميلية مقارنة بالملفات الأمنية والاقتصادية العاجلة، يمثّل خياراً إجرائياً روتينياً مؤقتاً، وعَرَضاً لخلل مفاهيمي تاريخي؛ يميل إلى رؤية الثقافة كحالة تعبيرية مؤجلة، بدلاً من كونها البنية التحتية الفكرية التي تُصهر في بوتقتها الهويات الفرعية لإنتاج المواطنة المتساوية، وتثبيت المرتكزات الأساسية لمشروع التأسيس الوطني (انظر في هذا المفهوم البنيوي: د. فرانسيس دينق، “صراع الرؤى: عهد الأمة في بلد مقسم”، الذي يؤصل للنزاع السوداني كأزمة وجدانية وثقافية بالمقام الأول).
أولاً: تشريح المفارقة بين الرؤية الرسمية والديناميكا الشعبية
يتأسّس المشهد الراهن على مفارقة عميقة وجوهرية يمكن تسميتها بـ “التأسيس الثقافي من أسفل إلى أعلى”؛ فبينما تواجه الأجهزة الرسمية لدولة التأسيس تحديات حقيقية في صياغة مصفوفة مؤسسية شاملة للهوية، تشهد القواعد والمجتمعات المحلية حراكاً ثقافياً وتعبيراً جباراً يعيد رسم ملامح السودان الجديد على الأرض.
لقد انتزعت الحواضن الاجتماعية حيزها التاريخي، وبدأت في تسييل مخزونها الوجداني المقاوم عبر تدفق هائل من الأغاني الشعبية، والإيقاعات، والتراثيات التي عانت طويلاً من التغييب والتهميش البنيوي من قِبل دولة المركز التاريخية القديمة (وهو ما حلله بدقة د. منصور خالد في “انفجار النخبة السودانية”، مبرزاً عجز العقلية الصفوية عن استيعاب نبض الأطراف).
ويتبدّى هذا التبلور بوضوح في فنون النوبة، وجماعات البقارة والأبالة، والغنامة، والرعاة والمزارعين، وعبر منصات “الحكامات” و”الهدايين”، وإيقاعات “الكدنداية” و”المردوم” و”الوازا” و”الكلش” و”الكيسا” و”الدرملي” و”الجراري”. هذا الحراك الشعبي يثبت أن الوجدان الجمعي يمارس سيادته الثقافية كموقف وجودي أصيل يعزز من قوى الإنتاج والحياة، مؤكداً أن الحراك المجتمعي يتقدم بخطى متسارعة تفرض على النخب تسريع وتيرة الاستجابة العقلانية والتنظيم المؤسسي (لتفصيل أنثروبولوجيا هذه الإيقاعات، يُراجع: أبحاث “معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم” حول دور الإبداع الشعبي في التماسك الاجتماعي).
ثانياً: تحديات التوظيف التراثي والاستهلاك الرمزي
إن الإشكالية الراهنة لا تقف عند حدود الإرجاء الإداري، إنما تتعداها إلى نمط من التوظيف المجتزأ للتراث الشعبي من قِبل بعض الأجهزة الإعلامية المعاصرة؛ حيث يُلاحظ استخدام هذا الكم الزاخر من الفنون والإيقاعات كخلفيات صوتية ومؤثرات ترويجية تمنح البرامج طابعاً حيوياً وقومياً، دون أن يواكب ذلك اعتراف مماثل بالقيمة الأدبية والمادية للمبدعين الأصليين، أو تمكينهم داخل البنية التحتية لمؤسسات الإعلام؛ مما يهدد بتجريف رأس المال الرمزي لهؤلاء المنتجين الذين يمثل إبداعهم جزءاً لا يتجزأ من آليات صمودهم الاقتصادي والاجتماعي في أوقات الأزمات.
ويمكن عَزْوُ هذه الظاهرة إلى عدة كوابح إدارية وهيكلية:
استمرار العقلية البيروقراطية التقليدية: وهي عقلية تميل إلى استهلاك الإنتاج الثقافي للأقاليم والبوادي كأدوات جمالية جاهزة، دون تكبّد عناء مأسستها وإدماج صناعها في الهياكل الوظيفية الثابتة للدولة.
الفراغ التشريعي الحاد: غياب القوانين الحاسمة لحماية “الملكية الفكرية الفردية والجمعية”، مما يجعل إرث الشعوب السودانية مستباحاً للاستخدام الإعلامي والتجاري دون عوائد عادلة لمجتمعاته المحلية (هنا تبرز أدبيات المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO بشأن القوانين الاسترشادية لـ “حماية التعبير الثقافي التقليدي المادي والمعنوي” كمرجعية غائبة في التأسيس السوداني).
الرؤية النفعية العابرة: وهي ممارسة تسعى لتزيين الخطاب الإعلامي الرسمي بالصبغة التعددية والثورية، مع الإبقاء على المبدع الأصلي في خانة المتعاقد المؤقت أو “الضيف العابر”، بدلاً من الشريك الفاعل والموظف المقنن.
ثالثاً: مآلات الاستراتيجية والمخاطر الهيكلية للتأجيل
إن استمرار الفجوة بين الخطاب السياسي المُنادي بالسودان الجديد والممارسات الإدارية التي تتجاهل مأسسة الحقوق الثقافية، سيقود حتماً إلى مخرجات خطيرة تؤثر في عمق البناء الوطني وتماسك الدولة المستهدفة:
على صعيد التماسك الاجتماعي: يُخشى أن يؤدي غياب المشروعات الثقافية القومية الشاملة إلى إعادة إنتاج الاستقطاب الجهوي والاجتماعي، نتيجة غياب قنوات رسمية تصهر المكونات وتتيح للسودانيين فرصة التعرف المشترك على ثراء تنوعهم.
على الصعيد الفكري والشبابي: يخلّف غياب المنصات الإبداعية التنموية فراغاً فكرياً حاداً، مما يجعل الفضاءات الشبابية عرضة لخطابات بديلة متطرفة، أو لحالة من الاستلاب الثقافي والإحباط العام المهدد للاستقرار السلمي.
على صعيد الدبلوماسية السيادية: يُحرم السودان من تفعيل “قوته الناعمة” ومخزونه الفني الفريد لإعادة بناء صورته الذهنية إقليمياً ودولياً كجسر رابط بين المحيطين الأفريقي والعربي.
على صعيد التلاحم الوجداني: قد يتسبب الاستهلاك غير العادل للمنتج الثقافي دون تنمية حقيقية لإنسان الأقاليم في إضعاف روابط الولاء بين القواعد والدولة الناشئة، مما يهدد بإعادة إنتاج أزمات الهوية التاريخية التي كانت وقوداً للاضطرابات الحرجة السابقة (انظر التأسيس الفكري لـ “رؤية السودان الجديد” عند د. جون قرنق دي مبيور، الذي شدد على أن الوحدة الطوعية مشروطة بالاعتراف بالتعدد الثقافي العادل).
رابعاً: معالم البديل التأسيسي وخارطة الإصلاح المؤسسي
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب انتقالاً استراتيجياً فورياً من خانة “الاستهلاك التعبيري” إلى خانة “الاستثمار السيادي والتنموي في الثقافة”، عبر صياغة بنية مؤسسية، تشريعية وتنفيذية متكاملة، تتوزع على ثلاثة مسارات أساسية:
المسار الأول: الهيكلة الإدارية والتمكين الوظيفي المباشر
وذلك عبر إصدار قرارات تنظيمية تقضي بالاستيعاب الفوري والمُمأسس للمبدعين الشعبيين (من مسرحيين، ودراميين، وحكامات، وهدايين، وعازفين، وفنانين، وشعراء، وملحنين، ورسامين) وتوطينهم داخل إدارات وأجهزة الإعلام الثقافي، والتوجيه المعنوي بالمؤسسات المدنية والعسكرية على حد سواء. إن هؤلاء المبدعين يمثلون كفاءات وطنية نوعية تستحق درجات وظيفية ثابتة برواتب وامتيازات مقننة تضمن استقرارهم المعيشي.
ويتكامل هذا المسار مع تحويلهم إلى صناع رأي عبر منحهم منصات برامجية متكاملة تبث من مجتمعاتهم؛ لتوظيف سلطة الكلمة والإيقاع في تفكيك ثقافة النزاع، وإحلال قيم السلم المجتمعي، وربط التنمية الاقتصادية (كقطاع الثروة الحيوانية والزراعية) بالتنمية الثقافية والوجدانية؛ إدراكاً بأن الإنسان السوداني في هذه الأقاليم يمارس نشاطه الإنتاجي والمادي من خلال الإيقاع والأغنية، مما يجعل الأمن الغذائي والأمن الثقافي مسارين متلازمين لا ينفصلان.
المسار الثاني: تنظيم الاقتصاد الثقافي وحماية الحقوق
من خلال تشريع “قانون حماية الحقوق المادية للإبداع الشعبي الفردي والجمعي”، وفرض رسوم مقننة لصالح المبدعين وصناديق التنمية المحلية لمجتمعاتهم مقابل الاستخدام الإعلامي والتجاري، بالتوازي مع رعاية الألبومات الاحترافية وتوثيق الآلات الموسيقية التراثية، وضخها في السوق العالمي كصناعة إبداعية رائدة ومدرّة للدخل (يتطابق هذا المسار مع “تقرير الاقتصاد الإبداعي” الصادر عن منظمة اليونسكو UNESCO، الذي يؤصل لضرورة تحويل التراث المحلي إلى رافعة استثمارية مستدامة).
المسار الثالث: بناء المنظومة الهيكلية ثلاثية الأبعاد
وهو الركيزة الأهم لاستدامة هذا الإصلاح، ويتمثل في بناء هياكل قومية تعمل بتناغم مؤسسي تام وفق المخطط الآتي:
المجلس الأعلى للتعددية الثقافية: جسم استراتيجي مستقل، يتولى صياغة سياسات الهوية الوطنية، وإدارة التنوع السوداني، ودسترة الحقوق الثقافية واللغوية بعيداً عن الاستقطاب السياسي أو المتغيرات الحزبية.
هيئة رعاية الإبداع الشعبي: الذراع التنفيذية الميدانية المعنية بالانتشار في كافة الأقاليم والبوادي لتوثيق التراث، وضمان الرعاية المادية والصحية الشاملة للمبدعين، والاعتراف الرمزي بهم كـ “كنوز بشرية حية” (وهو المفهوم الذي تتبناه “اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي 2003”).
صندوق دعم الصناعات الإبداعية: الرافعة الاستثمارية والمالية المسؤولة عن تمويل المشروعات الفنية والتوثيقية للشباب، وإدارة عوائد الملكية الفكرية، وتحويل الفنون والآثار في الريف إلى روافد تنموية تدعم الاقتصاد المحلي المستدام.
خاتمة
إن المشروع الثقافي للسودان الجديد لا يجوز اختزاله في قطاع ترفيهي يُؤجّل إلى ما بعد استقرار الملفات الأخرى، بل هو الأسمنت الرابط والضامن لنجاح السياسات الأمنية والاقتصادية ذاتها. على دولة التأسيس أن تدرك أن تحقيق العدالة الثقافية والإنصاف المادي والوظيفي لحواضنها الإبداعية هو صمام الأمان الحقيقي لحماية هندسة البناء الوطني من التصدع؛ فالثقافة هي الحصن الفكري للدولة، والتأسيس الحقيقي يبدأ حين تلتقي أجهزة الدولة بنبض شعوبها وإبداعهم الأصيل.
قائمة المصادر والمراجع:
فرانسيس دينق (1995). صراع الرؤى: عهد الأمة في بلد مقسم. معهد بروكينغز، واشنطن. (لتأصيل الهوية والسيادة الوجدانية).
خالد، منصور (2000). انفجار النخبة السودانية. دار تراث، لندن. (لتشريح مأزق الوعي البيروقراطي والمركزية).
اليونسكو وWIPO (2003-2005). اتفاقيات صون التراث والأطر الاسترشادية لحماية أشكال التعبير الثقافي التقليدي. باريس/جنيف. (لتأصيل الاقتصاد الثقافي وحماية الكنوز البشرية الحية والملكية الفكرية).
د جون قرنق(2006). رؤية السودان الجديد: خطابات ووثائق سياسية. غرانتا، لندن. (لتأصيل أركان التأسيس التعددي).




