رأي

حرب المسيرات في السودان والاستنزاف المفروض على حواضن الهامش: أهدافها وتداعياتها وضرورة الرد الاستراتيجي.

سهيبه مريش

 

سهيبه مريش

يشهد السودان منذ فترة صراعًا معقدًا ومتشابكًا، تميز بظهور أنماط قتال جديدة، أبرزها الاعتماد المتزايد على تكنولوجيا الطائرات المسيرة. هذه الحرب التكنولوجية لا تدور فقط على خطوط التماس العسكرية المباشرة، بل تمتد لتشمل استهدافًا ممنهجًا لما يمكن تسميته حواضن الهامش أي المناطق التي استطاعت حكومة مركزية ناشئة أو مستقرة نسبيًا فرض سيطرتها عليها وتحقيق قدر من الأمن والازدهار فيها بعد سنوات من الاضطراب. إن استخدام المسيرات في هذا السياق لا يعد مجرد تكتيك عسكري، بل يمثل استراتيجية عميقة تهدف إلى تجفيف مقومات الاستقرار في تلك المناطق، وبالتالي تقويض الشرعية الدولية والمحلية لأي سلطة تسعى لإعادة بناء الدولة.

إن تحليل أبعاد هذه الحرب يتطلب فهمًا للدوافع الكامنة وراء استهداف مناطق الاستقرار الهامشية. عندما تنجح حكومة ما في تأمين مناطق كانت تعتبر هامشية أو خارجة عن سيطرتها المركزية، فإنها تقدم نموذجًا بديلًا للعيش الآمن والخدمات الأساسية. هذا النجاح يصبح تهديدًا مباشرًا للقوى التي تعتمد على حالة الفوضى وعدم اليقين كأرضية لبقائها أو تحقيق أهدافها السياسية. لذلك، يصبح الاستنزاف المفروض على هذه الحواضن، عبر الضربات الدقيقة والمؤلمة التي تحدثها المسيرات، هدفًا استراتيجيًا مزدوجًا: أولاً، إثبات أن الأمن المكتسب هش وقابل للانهيار في أي لحظة. ثانيًا، إجبار الحكومة على سحب مواردها وجهودها الدفاعية من مشاريع التنمية والبناء نحو تأمين حدودها الداخلية الهشة.

الاستخدام المكثف للمسيرات، سواء كانت مسيرات استطلاعية أو هجومية، يتيح للجهات المهاجمة تحقيق أهداف تكتيكية بأقل قدر من المخاطر البشرية المباشرة مقارنة بالقتال البري التقليدي. ومع ذلك، فإن الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الضربات يتجاوز الخسائر المادية. عندما تستهدف المسيرات بنية تحتية مدنية أو تجمعات سكانية في مناطق آمنة نسبيًا، فإن الرسالة الموجهة هي أن الاستقرار وهم، وأن لا مكان محصن ضد الهجوم. هذا النوع من الاستهداف يهدف بوضوح إلى زعزعة ثقة المواطنين في قدرتهم على بناء حياة طبيعية، مما يؤدي إلى هجرة داخلية جديدة أو عودة للحالة النفسية السائدة في مناطق النزاع المشتعلة.

أحد الأغراض الكبرى والبعيدة المدى لهذه الاستراتيجية هو تشويه الصورة الدولية للحكومة التي تحاول ترسيخ نفسها ككيان شرعي وقادر على إدارة شؤون البلاد. الهجمات المنسوبة إلى القوى المعارضة، والتي تستهدف مناطق كانت قد هدأت، تُصوَّر خارجيًا كدليل على أن الحكومة غير قادرة على بسط سيادتها أو حماية مواطنيها، حتى في المناطق التي تدعي السيطرة عليها. هذا التشويه يهدف إلى حرمان الحكومة من الدعم الدولي، سواء كان اقتصاديًا أو سياسيًا، ويضعف موقفها التفاوضي في أي مسارات سلام مستقبلية. إن إظهار مناطق الأمان على أنها مناطق قصف مستمر يخدم الرواية القائلة بأن السودان لا يزال يعيش حالة حرب شاملة، مما يبرر استمرار التدخلات الخارجية أو العقوبات.

في مواجهة هذا النوع من الحرب الهجينة الذي يمزج بين التكنولوجيا المتقدمة والاستهداف الاجتماعي، لا يمكن لحكومة التأسيس أن تكتفي بالدفاع السلبي أو الاكتفاء بالاستنكار السياسي. الرد الضروري والمؤلم يجب أن يكون استراتيجيًا وموجهًا نحو تجفيف منابع هذا التهديد. إن مبدأ الرد بالمثل في هذا السياق لا يعني بالضرورة تدميرًا عشوائيًا، بل يعني تحديد مناطق القوة الاستراتيجية واللوجستية للقوى المهاجمة التي تقف وراء سرب المسيرات.

الرد المؤلم ينبغي أن يركز على ضرب الحواضن والمناطق الاستراتيجية التي تعتمد عليها هذه القوى في التجنيد، والتدريب، وتوفير الإمدادات، وتوجيه العمليات. إذا كانت المسيرات تُطلق من مناطق معينة، فإن تحييد هذه المناطق عبر عمليات عسكرية دقيقة ومدروسة يصبح ضرورة أمنية قصوى. هذا الرد يجب أن يكون مدعومًا بجهود استخباراتية مكثفة لتحديد المراكز القيادية واللوجستية التي تدير هذه الضربات التكنولوجية. عندما يشعر المعتدي بأن كلفة استخدام هذه الأساليب المتقدمة أصبحت باهظة بسبب الرد المماثل على مناطقه الاستراتيجية، فإن دافعه لشن مثل هذه الهجمات على حواضن الاستقرار سيقل بشكل كبير.

علاوة على ذلك، يجب أن يكون الرد مصحوبًا بحملة إعلامية قوية تفضح طبيعة هذه الاستهدافات وتوضح للعالم أن الهدف ليس عسكريًا بحتًا بل هو تدمير ممنهج لفرص بناء الدولة والحياة المدنية الآمنة. يجب على الحكومة إثبات قدرتها على المبادرة والردع، ليس فقط بحماية مواطنيها في المناطق المستقرة، ولكن أيضًا بضرب قدرات العدو على الاستمرار في إشعال الحرب. إن النجاح في تحويل ميزان الردع عبر ضرب نقاط القوة الاستراتيجية للمعارضين سيساعد في إعادة فرض الأمن وتقويض الرواية الدولية الساعية لتصوير الحكومة كعاجزة أمام التحديات التكنولوجية. إن استعادة المبادرة الاستراتيجية عبر ضربات موجعة في مناطقهم الاستراتيجية هو الطريق الوحيد لإجبارهم على التخلي عن استراتيجية الاستنزاف المدمرة لحواضن الهامش السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!