
مها طبيق
من خلال التحليل الميداني الموثق بقصص شهود وأرقام تقديرية وإطار قانوني تشير الى ان الاستهداف المتكرر للمدنيين في النزاع السوداني يتجاوز نطاق الخطأ التكتيكي ليتخول الي أداة ممنهجة لإعادة تشكيل السيطرة . في الضعين ، شرق دارفور ، تتجلى هذه الديناميكية بوضوح حيث تتحول الضربات الجوية من مجرد فعل عسكري إلى آلية لإعادة إنتاج الواقع الاجتماعي . هذا المقال يربط بين الوقائع والأدلة الميدانية ، والإحصاءات التقديرية ، وخريطة القواعد القانونية الدولية .
تؤكد الوقائع أن نمط مستقر وكارثي وملاحظ منذ منتصف 2024 ، حيث تعرضت مدينة الضعين لغارات متعددة من قبل القوات المسلحة السودانية ، هذه الضربات تكررت في أحياء سكنية وأسواق ومناطق مدنية حيوية ، ما أدى إلى سقوط ضحايا وإلحاق أضرار واسعة بالبنى الأساسية المدنية .
الإحصاءات التقريبية تشير إلى أن عدد الغارات الجوية المبلغ عنها 6–8 خلال الأشهر الستة الماضية ، خلفت ضحايا مدنيون ، تم توثيق ما بين 40–70 قتيلًا ، وأضعاف ذلك من الجرحى ( تقديرات جمعيات محلية ) . المواقع المستهدفة كنت متعددة شملت سوق الوقود المركزي ، وحي الروضة ، ومحيط مستشفى حي الضعين التعليمي . هذه الأرقام استنادًا إلى تقارير محلية وشهادات فرق إسعاف ، لكنها تكفي لرسم صورة واقعية عن حجم الضرر والتأثير . والاستماع لشهادات ميدانية من الضعين ، صوت أحمد ، (34 عامًا) – بائع سوق الوقود – ( كانت لحظة واحدة ، والسماء تهوي علينا . لم يكن هناك هدف عسكري واضح . كانوا في السوق . الساحة كانت مليئة بالناس . رأيت جاراتي يسقطن أمامي…) وفاطمة ، (28 عامًا) ، – موظفة صحية في مستشفى حي الضعين – قالت ( سمعنا صوت انفجارين متتابعين . دخلنا المستشفى لنجد الجدران تهشمت والمرضى على الأرض . بعض الجرحى كانوا أطفالًا لم يعرفوا لماذا حدث ذلك . ) هذه الشهادات توضح وجهة نظر الضحايا المباشرين ، وتربط بين الضربة الجوية ونتائجها الاجتماعية والنفسية على السكان .
وفقا التحليل الميداني ، تحول الصراع من خصم عسكري إلى بيئة اجتماعية مستهدفة مما يدعم فرضية أن استهداف الضعين يرابط بمنطق يمتد إلى إضعاف البيئة الاجتماعية التي تتحرك داخلها قوى المعارضة .
إن تكرار الضربات في أوقات وأماكن مأهولة يعيد إنتاج حالة من الخوف وعدم الاستقرار ، ما يؤدي إلى نزوح جماعي لسكان المدينة وتعطيل الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة
تعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، بهذا تتحول البيئة المدنية من حاضنة محتملة للخصم إلى ساحة تتعرض لضغط إجتماعي متزايد ، مما يضعف قدرة المجتمع على الصمود .
الخطاب الرسمي المتكرر يصف الغارات الجوية على الضعين بأنها ( استهداف مواقع عسكرية معادية )، بينما توضح الشهادات والأدلة الميدانية سقوط المدنيين وتدمير البنية المدنية . هل تتحول نتيجة الضرر المدني إلى تكلفة مقبولة ضمن الاستراتيجية العسكرية ؟
أم أن هناك قصورًا في التقدير والتخطيط يؤدي إلى هذا النوع من الأثر ؟ السرديات المتنافسة تحتاج إلى قراءة نقدية دقيقة تتجاوز التصريحات الرسمية لتفكيك تأثير القوة علىج المجتمع .
الأثر الاجتماعي العميق تكمن في نزوح داخلي واسع ، حيث الأسر تترك مساكنها ، وتنزح لمدن وقرى مجاورة بحثًا عن الأمان . وتدمير الخدمات الأساسية خاصة الصحية فالمستشفى الذي كان يوفر خدمات حيوية بات غير صالٍح للعمل . كما أن الأثر يمتد إلى العزلة الاقتصادية حيث توقف الأسواق وفقدان الوظائف اليومية . هذه الآثار تُضعف قدرة المجتمع على التعافي حتى بعد الهدنة أو توقف الأعمال القتالية ، ما يلحق ضررًا اجتماعيًا طويل الأمد وربما تولد روحا انتقامية يصعب التنبؤ بمآلاتها .
أما الإطار القانوني لمثل هذه الأفعال فتشير الي انتهاكات محتملة واضحة ، وما يحدث في الضعين يثير تساؤلات قانونية حول الالتزام ب ( ـمبدأ التمييز ) حيث القانون الدولي الإنساني يُلزم بالتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية . فإذا دمّر الاستهداف مناطق مدنية دون تمييز واضح ، فذلك يشكل انتهاكًا صريحًا . بالاضافه الى الإخلال ب ( مبدأ التناسب ) الذي يحتم على الخصم حتى إذا كان هناك هدف عسكري مشروع ، يجب ألا تتجاوز الضربات حد الخسائر المدنية مقارنة بالفائدة العسكرية المتوقعة . يتطلب القانون الدولي حماية المدنيين من الأذى والحد من الآثار الإنسانية للصراع وأي انتهاك لهذه المبادئ ، بالضرورة يفتح باب المساءلة الدولية ، بما في ذلك التحقيق من قبل هيئات حقوقية أو أممية .
تُظهر الضعين كيف يمكن أن تتحول القوة العسكرية من وسيلة لضرب الخصم إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي عبر إدارة الألم . في هذا السياق يصبح المجتمع نفسه ساحة استراتيجية حيث يتم إنتاج دينامية من عدم الاستقرار المستمر ويتحول الضرر المدني من نتيجة إلى أداة وهدف مقصود في حد ذاته . الضعين نموذج لفهم أعمق لكيفية تطور النزاع وتحول وظائف القوة في سياق الحرب الحديثة .
مها الهادي طبيق
22 مارس 2026
mahatebig@gmail.com




