تقارير وتحقيقات

البرهان بين ضغوط الداخل وتردد الحلفاء… تحالفات على حافة الانكسار

تقرير ابو عبدالله الراشدي

 

تقرير ابو عبدالله الراشدي 

في لحظة سياسية معقدة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية بالإقليمية، يجد قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان نفسه في واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ اندلاع الحرب، حيث تتزايد الضغوط عليه من داخل منظومته الحاكمة، في وقت يتراجع فيه زخم الدعم الخارجي الذي كان يُعوّل عليه لإعادة ترتيب موازين القوى على الأرض.

🔻 تعثر الدعم العسكري… وعود لم تكتمل

تشير معطيات متقاطعة إلى أن مشاريع الدعم العسكري التي جرى التفاهم حولها بين حكومة بورتسودان وعدد من شركائها الخليجيين لم تصل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، رغم مرور أشهر على الإعلان عنها. ويبرز في هذا السياق تعليق صفقة عسكرية ضخمة مع باكستان، كانت بوساطة سعودية وتبلغ قيمتها نحو 1.5 مليار دولار، وكان يُنتظر أن تشمل تزويد الجيش السوداني بطائرات مقاتلة من طراز JF-17، إضافة إلى طائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي.

هذا التعثر لا يُقرأ فقط كإجراء تقني أو تأخير إجرائي، بل يعكس وفق تقديرات دبلوماسية  خللًا أعمق في بنية العلاقة بين الخرطوم وحلفائها، حيث لم تعد الالتزامات المتبادلة تسير بالوتيرة ذاتها التي بدأت بها، ما يطرح تساؤلات حول مدى صلابة هذه الشراكات في ظل بيئة إقليمية متقلبة.

🔻 أزمة ثقة مع الرياض… من الشراكة إلى الحذر

يبدو أن العلاقة بين بورتسودان والرياض تمر بمرحلة إعادة تقييم غير معلنة، حيث أبدت المملكة العربية السعودية — بحسب مصادر دبلوماسية — درجة من عدم الرضا عن أداء القيادة العسكرية السودانية، سواء على المستوى السياسي أو العسكري.

ويُفهم من هذا التوجه أن الرياض لم تعد ترى في المؤسسة العسكرية السودانية شريكًا طويل الأمد بالمعنى الاستراتيجي، بل باتت تميل إلى الدفع نحو صيغة حكم مدني مستقبلي، يمكن أن يوفر استقرارًا أكبر ويُعيد تشكيل المشهد السياسي بطريقة أكثر توافقًا مع أولوياتها الإقليمية.

هذا التحول في الموقف السعودي لم يمر دون انعكاسات، إذ عزز من حالة الشك داخل المؤسسة العسكرية السودانية تجاه نوايا حلفائها، وفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى استعداد هذه الدول للاستمرار في تقديم الدعم في ظل تعقيدات المشهد الراهن.

🔻 الإسلاميون… عقدة التحالفات المستمرة

أحد أبرز التحديات التي تواجه البرهان يتمثل في استمرار حضور التيارات الإسلامية داخل دائرة داعميه، وهو عامل يُثير حساسية متزايدة لدى شركاء إقليميين ودوليين، يرون في هذا الوجود عائقًا أمام بناء شراكة مستقرة.

ففي الوقت الذي تسعى فيه بعض العواصم  وعلى رأسها واشنطن  إلى فرض معادلة جديدة تستبعد هذه التيارات من أي دور داخل المؤسسة العسكرية، يجد البرهان نفسه أمام معضلة معقدة: كيف يُرضي حلفاءه دون أن يُفكك توازناته الداخلية؟

وقد برزت محاولة معالجة هذا الملف في خطوة اعتُبرت “بادرة حسن نية”، تمثلت في توقيف أحد قادة الميليشيات الإسلامية المتحالفة مع الجيش، عقب تصريحات وُصفت بأنها موالية لإيران. غير أن هذه الخطوة، رغم رمزيتها، لا تبدو كافية لتبديد مخاوف الحلفاء أو تغيير الصورة العامة.

🔻 ضغوط الرباعية… إعادة رسم المشهد السياسي

في موازاة ذلك، تتواصل تحركات دول “الرباعية” — الولايات المتحدة، مصر، السعودية، والإمارات — بالتنسيق مع عواصم غربية أخرى، في محاولة لإعادة صياغة المشهد السوداني قبيل مؤتمر برلين المرتقب.

وتشير هذه التحركات إلى وجود اتجاه دولي متزايد نحو فرض شروط سياسية جديدة، من بينها إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وإبعاد العناصر الأيديولوجية منها، تمهيدًا لمرحلة انتقالية قد تقود إلى حكم مدني.

هذا المسار يضع القيادة العسكرية في موقف بالغ التعقيد، حيث يتعين عليها التفاعل مع ضغوط خارجية متزايدة، دون أن تفقد السيطرة على توازناتها الداخلية أو تُضعف موقعها في الصراع القائم.

🔻 علاقات متشابكة… بين أنقرة والقاهرة

على صعيد العلاقات الإقليمية، تبدو خريطة تحالفات الجيش السوداني متشابكة إلى حد كبير. ففي حين تواصل مصر تقديم دعم فني وعسكري للقوات النظامية، فإنها في الوقت ذاته تُبدي تحفظات على استمرار النفوذ الإسلامي داخل بنية الجيش، وهو ما يعكس توازنًا دقيقًا في موقفها.

أما تركيا، التي تُعد من أبرز موردي الطائرات المسيّرة للجيش السوداني، فتظل علاقتها بالبرهان قائمة، وإن كانت تمر بمرحلة حساسة. وقد حرص قائد الجيش على الحفاظ على قنوات التواصل مع أنقرة، كما ظهر في الاتصال الهاتفي الذي أجراه مع الرئيس رجب طيب أردوغان، في خطوة عكست رغبة واضحة في إبقاء هذا المسار مفتوحًا.

وفي المقابل، تشير بعض المعطيات إلى أن البرهان قام بإعادة ترتيب وضع أسرته خارج تركيا، وهو ما فُسّر في بعض الأوساط كمؤشر على تعقيدات غير معلنة في هذه العلاقة، رغم استمرار التعاون العسكري.

🔻 حسابات الحرب… وتأثيرات الإقليم

لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة بين بعض دول الخليج وإيران، والتي انعكست بشكل مباشر على حسابات الدعم والتحالف.

فالهجمات التي استهدفت السعودية بطائرات مسيّرة، وما تبعها من تصعيد في الخطاب الإقليمي، قد أسهمت في إعادة ترتيب أولويات بعض الدول، وربما دفعتها إلى مراجعة انخراطها في ملفات أخرى، من بينها الملف السوداني.

هذا التداخل بين الإقليمي والمحلي يجعل من مسار الدعم العسكري قضية أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد مرتبطًا فقط بحسابات الداخل السوداني، بل بات جزءًا من معادلات أوسع تتجاوز حدود البلاد.

🔻 اختبار الشرعية… بين الداخل والخارج

في ضوء هذه المعطيات، يواجه البرهان اختبارًا مزدوجًا يتعلق بشرعيته السياسية والعسكرية، سواء أمام حلفائه أو داخل منظومته.

فمن جهة، يُطالب بتقديم ضمانات لحلفائه بشأن طبيعة الشراكة المستقبلية، ومن جهة أخرى، يتعين عليه الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية، التي تعتمد في جزء منها على تحالفات مع قوى ذات توجهات أيديولوجية مثيرة للجدل.

هذا التوازن الدقيق قد لا يكون قابلًا للاستمرار على المدى الطويل، خاصة إذا استمرت الضغوط الخارجية في التصاعد، أو إذا تراجع الدعم العسكري بشكل ملموس.

🔻 إلى أين يتجه المشهد؟

في ظل هذه الصورة المعقدة، يبدو أن مستقبل التحالفات التي تعتمد عليها القيادة العسكرية في السودان بات مفتوحًا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين إعادة بناء الثقة مع الحلفاء، أو الدخول في مرحلة من إعادة التموضع الإقليمي.

كما أن مآلات مؤتمر برلين المرتقب قد تلعب دورًا حاسمًا في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة، سواء من حيث شكل الحكم أو طبيعة الترتيبات الأمنية والعسكرية.

وفي كل الأحوال، فإن ما يواجهه البرهان اليوم لا يقتصر على تحديات ميدانية، بل يمتد إلى معركة سياسية ودبلوماسية لا تقل تعقيدًا، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الأجندات في مشهد يصعب التنبؤ بمآلاته.

بين تعثر الدعم، وتصاعد الضغوط، وتضارب الحسابات، يقف البرهان أمام مفترق طرق حاسم، حيث لم تعد إدارة الحرب وحدها كافية، بل باتت القدرة على إدارة التحالفات هي العامل الأهم في تحديد مآلات الصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!