رأي

كبكابية بين فوضى الواقع واختبار الدولة

طروم المحترمين

 

طروم المحترمين

ليست كبكابية اليوم مجرد مدينة خرجت من قبضة الصراع، بل ساحة اختبار حقيقي لمعنى الدولة، وحدود المسؤولية، وقدرة السلطة على التحول من قوة تحرير إلى منظومة حكم راشد. فقد كان ثمن التحرير باهظًا، دُفع من دماء طاهرة وأرواح عزيزة، يتقدمهم الشهيد المقدم الطيب ماني، الذي سيظل اسمه محفورًا في ذاكرة المدينة ووجدان أهلها.

في الأيام الأولى بعد التحرير، بدت الصورة واعدة. توحدت الإرادة، واجتمع الناس على قلب رجل واحد، وتقدمت الإدارة الأهلية لتقود المشهد بروح مسؤولة، فيما لعبت قوات الدعم السريع دورًا في تثبيت الأمن وبث الطمأنينة. آنذاك، شعر المواطن أن صفحة جديدة قد فُتحت، وأن المدينة على أعتاب استقرار طال انتظاره.

غير أن هذا الأمل لم يلبث أن تراجع. فمع مرور الوقت، غابت الاجتماعات، وتلاشت روح التماسك، وتركّزت السلطة في أيدي محدودة، سيطرت على الموارد دون شفافية أو مساءلة. ومع غياب الوضوح، تصاعدت الأسئلة: أين تذهب الإيرادات؟ ومن يديرها؟ وما نصيب الخدمات العامة منها؟ أسئلة مشروعة، لكنها ظلت بلا إجابات.

الأخطر من ذلك، هو التحول الأمني المقلق. فقد بدأت مظاهر الانفلات في الظهور، من تهديد ونهب وسلب، إلى عمليات اختطاف طالت تجارًا من داخل منازلهم والأسواق، في مشهد يهز الثقة ويقوّض الاستقرار. هذه الظواهر، إن تُركت دون حسم، لا تعكس فقط خللًا أمنيًا، بل تشير إلى غياب الدولة بمفهومها الحقيقي.

إن ما جرى في كبكابية ليس مجرد تراجع ظرفي، بل مؤشر على فشل تأسيس إن لم تتم معالجته بحزم. فالدولة لا تُقاس بقدرتها على الحسم العسكري فقط، بل بقدرتها على فرض القانون، وضمان الحقوق، وتوفير الخدمات. وأي سلطة لا تخضع للمساءلة، ولا تستجيب لمطالب الناس، تتحول تدريجيًا إلى عبء على المجتمع.

ما تحتاجه كبكابية اليوم هو استعادة روح البدايات: وحدة الصف، ووضوح الإدارة، وحسم الظواهر السالبة بلا تردد. فالأمن مسؤولية الجميع، لكنه يبدأ من سلطة قادرة وعادلة. والثقة لا تُمنح، بل تُبنى بالفعل.

إن معركة كبكابية لم تنتهِ بالتحرير، بل بدأت بعده. وهي معركة بناء الدولة، أو السقوط في فوضى ما بعد النصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!