
منال علي محمود
“هذه إعادة تمثيل لواقع سبق أن وقع”
ما قاله طارق كيجاب يدفع إلى قراءته باعتباره إعادة سرد لسيناريو سبق أن وقع بالفعل.
جاء الحديث متجاوزاً حدود الدعوة العامة، واقترب من توصيف عملي لكيفية إفراغ المدن من سكانها:
تعطيل مصادر الحياة أولاً،
ثم ترك ما تبقى ليُنجز المهمة بنفسه.
الأكثر إثارة للقلق أن الخطاب امتد إلى تفاصيل ما بعد الانهيار:
كيف يغادر الناس،
كيف يسلكون الطرق البرية،
وكيف يتحول النزوح من مأساة جماعية إلى قرار فردي اضطراري.
هذه لغة خبرة، تعكس معرفة بتجربة واقعية أكثر من كونها مجرد تحليل نظري.
وفي حرب 15 أبريل 2023 في السودان، غابت أوامر رسمية بإخلاء الخرطوم، بينما برزت معطيات متتابعة دفعت في هذا الاتجاه، تمثلت في انهيار منظومة الكهرباء، وتراجع إمدادات المياه، وتضرر البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المصانع والجسور. وقد أفضى ذلك إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية داخل المدن، حيث وجد المدنيون أنفسهم أمام واقع يجعل البقاء خياراً غير متاح عملياً، رغم عدم مشاركتهم في قرار النزاع.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة هذه التحولات باعتبارها نتائج عرضية، بل ضمن إطار أوسع من الانهيار الحضري (urban collapse)، حيث تتداخل عوامل النزوح مع تراجع الخدمات الأساسية، بما يعيد تعريف علاقة السكان بالمدينة نفسها.
بهذا الشكل تُفرَّغ المدن:
دون إعلان مباشر،
بل عبر جعل البقاء غير ممكن عملياً.
وإلى جانب تآكل مقومات الحياة، فإن إخلاء المدن قسرياً أو تدريجياً قد يفتح المجال أمام أنماط من الاستنزاف المادي، تشمل تفكيك الممتلكات العامة والخاصة ضمن اقتصاديات الفوضى، حيث تمتد عمليات النهب إلى البنية التحتية ذاتها، بما في ذلك الكابلات الكهربائية المدفونة منذ عقود، والتي قد تُستخرج وتُباع ضمن أسواق غير رسمية. وفي مثل هذه البيئات، يتحول غياب الدولة إلى فرصة لانتشار أنماط من الاستخراج غير الرسمي للموارد (informal resource extraction)، لا تقتصر على الممتلكات المنقولة، بل تمتد إلى ما هو مدفون وثابت في الأرض. وفي هذا الإطار، لا يُفهم الإخلاء بوصفه نتيجة للنزاع فحسب، بل كآلية قد تسهم في إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والاقتصادي للمدن عبر إعادة توزيع قسري للسكان والموارد.
وتتكرر هذه الأنماط في سياقات نزاعات أخرى، حيث يقترن انهيار الخدمات العامة بفراغ أمني واقتصادي يسمح بظهور سلوكيات استنزاف موازية للبنية التحتية، بما يعزز من حدة التحولات السكانية والاجتماعية.
من هنا، تتجلى خطورة هذا الخطاب في كونه يحيل إلى تجربة واقعية، ويقدّمها بصورة تصور قابل للتكرار.
خطاب إلى الدول المعنية
إلى الدول التي ورد ذكرها في الخطاب المشار إليه، وبغض النظر عن مواقفها السياسية أو قراءاتها التحالفية:
ما طُرح من توصيفات تتعلق باستهداف البنية التحتية المدنية، وما تضمنه من تصوّر لكيفية تحرّك السكان وإخلاء المدن، يعيد تقديم سيناريو سبق أن وقع فعلاً على الأرض.
المضمون الذي قُدِّم يتجاوز حدود التنظير، ويقترب من توصيف عملي لكيفية تعطيل مقومات الحياة، بما يؤدي تدريجياً إلى دفع السكان نحو المغادرة، دون حاجة إلى أوامر مباشرة بالإخلاء.
وقد أظهرت تجربة السودان خلال حرب 15 أبريل 2023 أن انهيار الخدمات الأساسية—وفي مقدمتها الكهرباء والمياه—كان عاملاً حاسماً في إعادة توزيع السكان داخل المدن، حيث وجد المدنيون أنفسهم أمام واقع يجعل البقاء خياراً غير متاح عملياً، رغم عدم مشاركتهم في قرار النزاع.
في هذا السياق، تبرز خطورة هذا الخطاب من خلال إحالته إلى تجربة معاشة، وتقديمها في صورة تصور قابل للتكرار، بما يتجاوز حدود التحليل إلى ما يشبه “وصفاً تشغيلياً” لنتائج مماثلة.
ترتبط هذه الرؤية بطبيعة الأيديولوجيا التي تستبطنها، والتي أثبتت تجارب عديدة أنها لم تُعفِ حتى مجتمعاتها من تبعات الصراع، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مشروعاً: إذا كانت هذه المنهجية لم ترحم أهلها، فهل يُتوقع منها أن تتعامل مع الآخرين بمنطق مختلف؟
إن تجاهل دلالات مثل هذه الخطابات، أو التعامل معها باعتبارها مواقف سياسية عابرة، لا يعكس إدراكاً كافياً لطبيعة المخاطر المرتبطة بها، ولا لما قد تفضي إليه من تكرار لأنماط الانهيار الإنساني التي شهدها الواقع السوداني مؤخراً.
المطلوب في مثل هذه الحالات لا يقتصر على قراءة الموقف السياسي، بل يمتد إلى تفكيك البنية الفكرية التي تقف خلفه، والتعامل معها باعتبارها عاملاً مؤثراً في الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد رأي يُطرح في سياق الجدل.




