
حسن النعمان
يواصل جيش البازنقر، بكل تخبطٍ وارتباك، تسويق الأوهام وتصوير المستحيل على أنه انتصارات تاريخية. فقد اتخذ من الأطفال دروعاً بشرية، ومن كبار السن ومنسوبي الجيش السابقين الذين أُحيلوا إلى التقاعد وقوداً لحربه، بعد أن كانوا بالأمس في نظره عبئاً لا حاجة له بهم.
لقد بلغت المؤسسة العسكرية درجةً من الهوان وهي واقعة تحت هيمنة الجماعات المتطرفة، حتى لم تترك شيخاً ولا امرأة إلا ودفعته إلى ساحات التعبئة والقتال. كثيرون ذهبوا إلى المعسكرات تحت وطأة الترهيب والخداع، وبفعل خطابات دينية مضللة وشعارات زائفة باسم الجهاد.
وتُصوَّر لهذه الحشود صورة النصر الدائم، وكأن كل معركةٍ يحققون فيها انتصاراً، بينما تكشف الوقائع أن كثيراً من تلك المعارك لا تصمد طويلاً قبل أن تتحول إلى هزائم وخسائر بشرية فادحة. وبعد ثلاث سنوات ونصف من الحرب، ما زال البعض يرفض الاعتراف بأن هذا الطريق لا يقود إلا إلى الموت والخراب.
إن الحركة التي تسعى إلى التحالف مع كل ما يناقض قيمها المعلنة، ثم ترفع في الوقت نفسه شعارات الدين، تقع في تناقضٍ أخلاقي وفكري كبير. فكيف يُطلب من الناس أن يصدقوا شعاراتٍ لا تنسجم مع الممارسة؟
وهل أصبح من يردد شعار «جيش واحد، شعب واحد» أسيراً للدعاية، أم أن العقول استُلبت حتى فقدت القدرة على رؤية الواقع كما هو؟
إن الجيش المهني لا يُبنى بالحشد العشوائي، ولا بالتعبئة القائمة على الخوف والإكراه، بل يقوم على الاختيار الحر، والكفاءة، والانضباط، والإيمان الحقيقي بالانتماء إلى المؤسسة العسكرية. أما استدعاء كبار السن، وإعادة من انتهت خدمتهم العسكرية، والزج بالمواطنين في الحرب تحت الضغط، فلن يصنع جيشاً قادراً على تحقيق الانتصار.
وقد أثبتت الوقائع أن الإكراه لا يصنع المقاتل، وأن الشعارات لا تعوض غياب التخطيط والكفاءة.
وجيشٌ يغادر قادته مواقعهم في أوقات المحن، كيف يمكن أن يُقنع الناس بقدرته على تحقيق النصر؟ وكيف ينتصر جيشٌ تسللت إلى قياداته المحسوبية والمصالح الشخصية أكثر مما تسللت إليها معايير الكفاءة والاستحقاق؟
لقد سقطت كثير من الألقاب والنياشين في أول اختبار حقيقي، وانكشف الفرق بين الصورة التي رُسمت في الخيال والواقع الذي فرض نفسه على الأرض.
إن النصر لا يُصنع بالدعاية، ولا بالأماني، ولا بتضليل الجماهير، وإنما يُصنع بالاحتراف والصدق والكفاءة والإرادة الوطنية الصادقة.
هذا الجيش ليس إلا «ملاح كضّابات»، تُشم رائحته من بعيد ولا يُرى فيه لحمٌ ولا مضمون، تماماً كالبصل المقلي أو «البصل المكشّن» في المثل السوداني؛ كثيرُ الرائحة، قليلُ الفائدة. ضجيجٌ ودعايةٌ وشعاراتٌ كبيرة، لكن عند أول اختبارٍ حقيقي ينكشف الفراغ وتظهر الحقيقة كما هي.




