
دكتور خالد تارس
في السودان لم تعد السموات زرقاء كمن ينظرون إليها، وانما ثقيلة وسوداء كقلب الحاقدين على المجتمعات الحُرة، ثقيلة كبيانات (الشجب) الدولية التي لم تُسقط طائرة ولم تُنقذ طفلاً.! يبدو أن في هذه البلاد وحدها تدار آلات موت النساء والأطفال بعقولٍ أكبر من حجم أوذارها.!
الأيام الماضية عاود الطيران المسيّر للإخوان المسلمين غاراته الوحشية وستأنف مهمته النبيلة بقصف المدنيين. ولم تخطئ غرف التحكم في هذه المسيرات أهدافها المرسومة لضرب الأسواق والمدارس والبيوت في مليط والفاشر والكومة. ويبدو أن هذه الطائرات مزوّدة بتقنية متقدمة لاصطياد الإنسانية بدقة ترى في السوق هدفاً، وفي المدرسة (إحداثية).!
وإن كان في هذه المأساة ما يُضحك العالم، فهو أن من يديرون هذه الحرب يتحدثون عن عمليات نوعية وإنجازات ميدانية يقوم بها ما يطلق عليهم (صناع الكباب)، اي من يصقفون الأعيان دون رحمة، وهو لفظ وحشي على ساقطين على ما يبدو. أي إنجاز يتم قياسه بعدد الجثث في الأسواق والمستشفيات، وأي بطولة تُرسم نتائجها من أشلاء الأطفال والنساء.؟ يبدو أن قاموس هؤلاء الوحوش قد خضع تماماً لعملية تحديث تجعل القتل تكتيكًا والمجزرة (رسالة).. وتسمي الضحايا أضراراً جانبية. لكن المهم في هذا الموقف ان الحقيقة ظلت عارية من كل أدوات التجميل اللغوي لهذه الجماعة، وهي لا تتعدى كونها جبنٌ مُسلّح بالتكنولوجيا. ثم تأتي مرحلة أخرى أشد انحداراً وتجرد من الإنسانية، مرحلة أن يقرر الممسكون بمحرك الطائرات الارتقاء في سلم إنجازاتم بقصف مراكز العلاج، كما في حرق قسم الأطفال وقتل النساء الحوامل في غرف الولاده بمستشفى الضعين. ثم لا يكتمل العبث بأرواح الناس إلا بقصف المعسكرات وزياده مأساة النازحين فيها، كما معسكر خمسه دقائق بمدنية زالنجي. ولك ان تتخيّل المفارقة أن تهرب أمرأة من الحرب لاحتماء بخيمة، فيلاحقهما الرصاص مرة اخرى من السماء، أنها سلوك الحرب التي تكتب فيها الإبادة بلغة الطائرات.!
أما غرف التحكم التي يدير هذا الجنون والانحطاط، فيبدو أنها تعمل خارج كل المقاييس المعروفة للعقل البشري، وهي غالبا ما تنبع من أشخاص غير اسوياء، يقضون لياليهم في التخطيط العسكري لإصابة أكبر عدد من الأبرياء في غياب تأم للضمير الإنساني، وعندما يغيب الضمير الإنساني كل الحسابات تصبح سهلة.
ولا تكتمل هذه اللوحة العبثية للحرب التي أشعلها جيش البرهان دون دور كوميدي للمجتمع الدولي. ذلك المجتمع الذي يتقن إصدار البيانات أكثر مما يتقن حماية البشرية. ثلاث سنوات من الانتهاكات المروعة، فلا حظروا طيران ولا اوقفوا مجازر ولا انقذوا مدنيين، سنوات من (التواطؤ) تمضي بين الإدانة والشجب الدبلوماسي والردود الأنيقة.!
يبدو أن العالم كلة قرر أن يتعامل مع حرب السودان كنشرة اخبار لا كارثة إنسانية فريده، ربما لأن الضحايا لا يملكون كاميرات كافية، وصرخاتهم لا يصل إلى مجالس القرار الدولي، لذلك قطع رؤوس الناس وسلخ جلدوتهم ومدغ احشاءهم لا يهز البورصة وأسواق المال العالمية.
فما يجري في السودان من مجازر بالطيران ضد المدنيين هو اعترافًا صريحًا بالفشل وعجز في أروقة المجتمع الدولي عن مواجهة الإرهاب الأيديولوجي للحركة الإسلامية وجيش البرهان الذي اختار كسب المعركة للتخلص من المواطنين في أقاليم بعينها، وعندما فشلوا في كسب الناس اختار إرهابهم عبر المسيرات في محاولة يائسة لفرض السيطرة من السماء بعد استعصت الأرض، هذه الحالة بلا شك لا تعبر عن قوة بقدر ما تعبر هروب إلى الأمام عبر حمامات الدماء.!
وهناك حقيقة لا يبدو أن مخططي هذه الحرب يدركونها، وهي أن القصف الجوي مهما أشهد فهو لا يصنع شرعية والمجازر لا تبني دولة. فالشعوب الصامدة لا تمحى بالحروب، وما يُزرع اليوم من إرهاب لنفوس السودانيون، سينبت غدًا (مقاومة) شرسه وحسابًا لا مفر منه.!
الذي يجب ان يدرك دون تخوف هو بقاء الصورة واضحة لمن يريد أن يرى ان الطائرات التي تحرق البيوت والأسواق وتدمر دور العلاج، تُدار بعقول انتقامية شريرة. وبين هذا وذاك يقف المواطن السوداني صامدا بلا حماية. وعلى الأرجح ان العالم سيواصل إتقان دوره المفضل في التفرج بلباقة على جثث المدنيين في دارفور وكردفان الذين احرقتهم الطائرات (الإخوانية).




